الرجل الوحيد في اجتماع مجلس الآباء!

الرجل الوحيد في اجتماع مجلس الآباء!

1)

ملاحظات عابرة!

من منا لم تقع عينيه على أسرة مكونة من زوج وزوجة وطفل صغير، يسيرون جميعا في الشارع المزدحم، وبينما الأم تحمل الطفل بصعوبة، فإن زوجها يسير بجانبها، إن لم يكن أمامها، خالي الوفاض تماما لا يعاني من أية منغصات؟!

"هنيئا له!" قلتها بسخرية وأنا أشير لصديقتي كي تنظر لتلك الأسرة التي لا يعتبر حالها فريدا أبدا! فأخبرتني صديقتي قائلة: "ربما الطفل هو من يرغب في ذلك لأنه أكثر ارتياحا بين ذراعي أمه!"

هززت رأسي وابتسمت بينما أفكر أن ما قالته صديقتي للدفاع عن الأب، وإن صح، فإنه يعد مجرد "عذر أقبح من ذنب"!

2)

كذبة وصدقناها!

 يكتسب الذكر إحساس الأبوة بعدما يصبح أبا بالفعل ويجد أولاده يكبرون أمامه! 

أما فكرة "الأمومة" فإنها تولد مع الأنثى! 

فهي غريزة أساسية للفتاة ولكنها فرعية للغاية بالنسبة للفتى!

تلك الأفكار التي نسمعها مرارا وتكرارا، تعد من أهم الأسباب التي تضرب مبدأ المشاركة داخل الأسرة في مقتل، والأمر المضحك أيضا أنها تهين الذكر باعتباره ليس "إنسانا"، ولا يملك أية مشاعر أو نضج يُذكر.

والكثيرات من النساء يصدمن بعد زواجهن وإنجابهن من المسئوليات اللانهائية التي تلقى على عاتقهن بلا سابق إنذار، خاصة أن الجميع بما فيهم الزوج، يتوقعون منهن تحمل تلك الأعباء بلا شكوى، بحجة "غريزة الأمومة" التي تصنع المعجزات.

ولذلك فإن معظم فتيات الجيل الحالي قد انتبهن للفخ، فالكثيرات منهن تخلين عن حلم الإنجاب، لأنه ببساطة مع كل أعباء الحياة المعاصرة، فضلا عن إصرار الرجال على عدم المشاركة في عبء التربية، أصبح حلما باهظ الثمن للغاية، إن لم يكن شبه مستحيل.

وأظن أنه لو شهدت السنوات القادمة عزوف الفتيات عن الزواج وتكوين أسرة، فستعلو الأصوات التي تتهم الفتيات بالانحلال أو "الاسترجال"، وسيتناسى الجميع أن ذلك يرجع بشكل أو بآخر لأنانية الرجال، أو النسق الاجتماعي الذي شجعهم على تلك الأنانية، مما جعل الكثيرات من الأمهات بمثابة "سنجل ماذرز" بينما أزواجهن أحياء يرزقون!

3)

الرجل الوحيد في اجتماع مجلس الآباء!

كلنا نعرف منظر ذلك الأب، ذلك الذكر الفريد، وحيد الخلية، الذي يجلس وحده كالصقر بين عشرين أم، بينما الكل ينظرون إليه ويفكرون.. هل توفت زوجته مؤخرا، هل زوجته قوية و"مصدّراه" في شئون العيال، هل هو مصاب بالوسواس القهري بشأن مستقبل أولاده ولهذا يحرص على الحضور بنفسه؟! 

وبالرغم أن اسمه "مجلس آباء".. فلا يوجد سوى هذا الرجل فقط!

و كونه أصبح يسمى Parent's Meeting مؤخرا لا يغير من حقيقة الأمر شيء، ولا يجعله مجلسا للأمهات! 

ومع ذلك فإن هذا الاجتماع المدرسي صار من نصيب "الأم" في العرف الاجتماعي في السنوات الأخيرة..ولا أعرف السبب الحقيقي وراء ذلك الأمر.

4)

الرجولة أدب!

يرى البعض أن مظهر الرجل الذي يحمل طفلا، أو يقوم بتغيير حفاضته، أو حتى حضور التمرين الرياضي برفقته أمرا غير ذكوريا بل ومقذذا للغاية!

 ولو أنه لا يوجد دليل واحد أو إشارة حقيقية تربط بين تلك المظاهر وبين مفهوم الرجولة أو الذكورة. 

الرابط الوحيد هو "الأنماط الاجتماعية السائدة"..لا أكثر ولا أقل.. ومن الجميل أن نراجع كل حين وآخر تلك الأنماط، لأن مثل تلك المفاهيم القديمة تصبح عبء حقيقي يمنع قدرتنا كأفراد على الحياة بشكل أفضل وأسعد.

ومن الغريب والمضحك أنه في الثقافة الغربية، فإن الرجل الذي يمارس أبوته مع أطفاله على الملأ، يعتبر رجلا جذابا للغاية في نظر النساء!

5)

اغسلي هدومك ووفري فلوسك!

لفت نظري مؤخرا أن عبوة الصابون العادي مكتوب عليها بصيغة المؤنث "جددي نشاطك"!

وبالصابون العادي أقصد سائل الصابون المخصص لليدين..وليس صابون "المواعين" لا سمح الله..

وقد عودتنا شركات الإعلانات أن تروج للمنظفات وغيرها من السلع المنزلية بتلك الصيغة "نظفي بيتك" "وفري فلوسك"، "كوني متأكدة"، "ربي عيالك!" وهكذا..

فكل ماهو متعلق بـ "سحلة" المنزل هو عمل نسائي صميم، للدرجة التي أصبح فيها الصابون العادي أيضا مستهلكته الأساسية هي الأنثى! طبعا لأن الرجال لا يفعلون شيئا..وهم بالتالي ليسوا في حاجة لغسل ايديهم ولا تجديد نشاطهم!

هذا هو التفسير الوحيد!

 وهو التفسير الذي يرسخ لصورة المرأة "ماكينة النظافة" والرجل "الـ لا إنسان"!.. أو "ماكينة النقود" إن صح أن يصبح له دور.

ورغم أن معظم النساء أيضا أصبحن يسهمن في مصروف المنزل "كصانعات للفلوس" منذ سنوات طويلة، ومع ذلك فقد احتفظن وحدهن بأعمال المنزل بلا أدنى تغيير للأوضاع القديمة.

 وما شعار "البيت مملكة المرأة" سوى حجة أخرى لتوريط المرأة في المزيد من المهام، وعدم إتاحة فرصة ولو بحجم "النملة" لمشاركة الرجل في مهام الملكة الأم التي تعاني من أمومة مبالغ فيها!

6)

إجازة وضع!

في بعض دول العالم المتقدم، وفي بعض الشركات الدولية الكبرى، من حق الأب الحصول على إجازة مخصصة لرعاية الطفل، ففي مجتمعات كتلك تغيرت كثيرا ثقافة الإنسان البدائي، وأصبح من حق الطفل نفسه أن يجد والده بجانبه منذ اللحظات الأولى في حياته، ولا يعد هذا تفضلا من الأب بأي حال من الأحوال بل هو "واجب" ينبغي أن يقوم به طالما اختار أن يصبح أبا، و"حق" ينبغي أن تناله الأم.

ولا أريد أن أقع في خطأ باعتبار هذا التعاون "حقا" للأم فقط، فهو في الحقيقة "حق" للطفل ذاته، وضرورة لتحقيق سلامته النفسية.

ومن وجهة نظري فهو "حق" للأب أيضا! ولكنه حق لا يريده غالبية الرجال في مجتمعاتنا لأنهم لا يعترفون بأهميته لسلامتهم النفسية هم أيضا، أو لأن غالبيتهم لم يجرب مذاق هذا التورط الجميل في حياة أبنائهم منذ البداية، وما يخلقه من رابطة قوية لا يعوضها شيئ.

7)

كلنا سناجل بالضرورة لا أستثني أحدا!

ازداد في السنوات الأخيرة استخدام مصطلح الأم "السينجل" أو "السينجل ماذر" خصوصا في الدول الغربية، وهو الذي يعني الأم التي أنجبت بغير زواج..

 لكن المصطلح أصبح يستخدم مؤخرا ليشير أيضا إلى كل أم تقوم بتربية أولادها وحدها لأي سبب من الأسباب، كموت الزوج أو الطلاق مثلا..

لكن الحال في مصر مختلف.. لأن غالبية النساء هن "سناجل" بالضرورة، حتى لو كان أزواجهن يعيشون معهن في نفس المنزل! فالعبء الأكبر يقع على عاتقهن وحدهن لأسباب اجتماعية تبدو معقدة، لكنها واهية للغاية، ومع ذلك فهي تجعل ظاهرة "الأم الوحيدة" ظاهرة إجبارية وليست اختيارية، ومعظم الأمهات ينعانين منها بنسبة أو بأخرى.

8)

الأسرة السعيدة تتطلب أما سعيدة!

الأم يجب أن تكون سعيدة فعلا كي تصبح الأسرة سعيدة كما يقولون، لكنه ليس السبب الوحيد لحرص المجتمع على جعلها سعيدة، فالمرأة تستحق السعادة أولا لأنها تستحق السعادة!

 كأي كائن على وجه الأرض.

والطفل يستحق أن يحيا بين أب وأم يقومان بأدوار متساوية، وإلا صارت الحياة كالـ"عرجاء" التي تتكأ على قدم واحدة، وبالرغم من كونها تمشي بالفعل وتتقدم للأمام، لكن ذلك يتم بصعوبة شديدة للغاية..

والمفاجأة أن هذه القدم الواحدة ستضعف آجلا وعاجلا.. لتصبح غير قادرة على السير مجددا.. 

فهل ننقذ تلك القدم "السينجل" قبل أن تضعف تماما، بأن نجعل القدم الأخرى تعاونها في السير؟ 

أم نتركها لمصيرها الحتمي الذي سيتسبب في الإيذاء لباقي أعضاء الجسد كنتيجة طبيعية ومتوقعة للغاية؟!

التعليقات