إنقاذ الصحافة بجنيه واحد

إنقاذ الصحافة بجنيه واحد

 

إذا استمرت أحوال وسائل الإعلام كما هى فى الوقت الحالى، فخلال شهور أو عام على الأكثر، سيلجأ ملاك المحطات فضائية والصحف إلى إغلاقها، أو الاكتفاء بإصدار طبعة إلكترونية، إذ أن حجم توزيع الصحف والإعلانات ينخفض بسرعة أكبر من المتوقع، مع تضاعف التكلفة من مرتبات وطباعة، أما القراء فلا يكترثون بدرجة كبيرة بمتابعة وسائل إعلامهم الوطنية، لأسباب تخص جودة المنتج سواء من حيث دقة الأخبار أو جودة التحليلات والتحقيقات.

هذا التصور يجب أن يدعو للقلق خصوصًا أن بشائره واضحة، إذ لجأت إدارات الصحف على وجه التحديد إلى رفع أسعار طبعاتها الورقية، كما تعثرت أكثر من محطة فضائية ولجأ ملاكها للدمج مع محطات أخرى ما دفع بإعلاميين إلى قوائم العاطلين، فيما لم يتم تطوير محتوى المؤسسات المندمجة، لتنتظر الموت البطىء مع مرور الوقت.

إغلاق الصحف أو الفضائيات المملوكة لشركات مساهمة، بالإضافة للقنوات والإصدارات بوسائل الإعلام المملوكة للدولة، أمر خطير يمس الأمن القومى للبلاد، لأن جميع هذه المنافذ مهمتها توفير المعلومات ورفع مستوى الوعى، لدى المواطنين، وحتى لو لم يقم الإعلام بدوره بالدرجة المطلوبة فإغلاقه أو خفض عدد إصداراته سيترك المواطن فريسة سهلة أو وسائل الإعلام المعادية للوطن وهويته، وهو أمر يضر بالمواطن والدولة معًا.

ومن مصلحة المواطن التمتع بخدمة إعلامية ذات جودة معينة، ومن مصلحة الدولة ومن واجبها أيضًا، أن تنقذ قطاعا من التدهور والانهيار، على غرار أى قطاع آخر وإلا فما هى وظيفة الدولة إذا لم تقم بهذه المهمة؟!

يمكن إنقاذ الصحف من حيث المبدأ إذا استطاعت الحصول على عائد من المحتوى الصحفى الذى تنشره محركات البحث ومنها موقع جوجل، ومواقع التواصل الاجتماعى ومنها فيس بوك وتويتر، رغم أن هذه المحركات والمواقع تحقق أرباحًا تصل لعشرات المليارات من المادة الصحفية المملوكة أصلًا للصحفى أو مؤسسته، وهو أمر طرحته بالفعل مؤسسات صحفية عالمية، منها 20 وكالة أنباء طالبت الاتحاد الأوروبى بتعديل تشريعات حقوق المؤلف للحصول على مقابل استخدام محتواها.

ويجب أن تقوم مؤسساتنا، بخطوة مماثلة، لما قام به زملاؤهم الأوروبيون وغيرهم، لأنه لا يليق أن نفرط فى المحتوى المملوك لنا، دون مقابل، بينما تحقق محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعى أرباحًا من عرق الصحفيين ومقدرات مؤسساتهم.

وهنا يجب أن يقوم الصحفيون أعضاء مجلس النواب على الأقل بدور فى هذا الصدد، بإصدار تشريع يساهم بتقوية موقف الصحف وغيرها من وسائل الإعلام، فى التفاوض مع مواقع التواصل الاجتماعى ومحركات البحث، كما يجب أن يسمح هذا التشريع بمقاضاة جوجل وفيسبوك على سبيل المثال أمام المحاكم المصرية، ويمكن مقاضاة جوجل وفيسبوك أمام محاكم دولية، خصوصًا أن العائد المتوقع يعتبر دخلًا من العملة الأجنبية، الوطن فى حاجة إليها.

ويمكن إنقاذ الصحف ووسائل الإعلام من الانهيار متأثرة بالأزمة المالية الخانقة التى تعانى منها، بوسائل سريعة لا ترهق المواطنين أو تمثل عبئا ماليًا على الدولة، حال دفع أى مواطن أو أى شركة، جنيه واحد، شهريًا، مقابل الاستفادة من خدمة المحتوى الصحفى على المواقع الإلكترونية، وهو أمر كفيل بحل أزمة الصحف ووسائل الإعلام، وفورًا، وبقرار من وزير الاتصالات.

وقد يتبادر إلى الذهن فورًا أن المواطن سيتحمل عبئا جديدًا، وهو أمر مردود عليه بأن الزيادة لا تمثل سوى 1 أو 2% وربما أقل بكثير مما يدفعه أصلًا لسداد فاتورة هاتفه، كما أن من مصلحة أى مواطن الحصول على أخبار دقيقة، وهو أمر له ثمنه، خصوصًا أنه يرضى مسرورًا بسداد فاتورة الإنترنت فلمَ يغضب عندما يدفع هذه النسبة لمالك المحتوى؟!

أما كيفية توزيع الحصيلة، فيمكن توضيحه بأن المقصود بخطة الإنقاذ، هى جميع وسائل الإعلام المصرية المتوافقة مع قوانين تنظيم الإعلام ولائحته التنفيذية، ويمكن للمجلس الأعلى للإعلام، باعتباره الجهة المسؤولة عن هذا القطاع وضع قواعد منظمة لتوزيع الحصيلة حتى لو فى صورة دعم للصحفيين والإعلاميين من خلال النقابات المعبرة عنهم، أو دعم لأسعار الورق التى تضاعفت تكلفته عدة مرات خلال السنوات الماضية.

وفى هذا الحالة لن تكون الصحف مجبرة على رفع أسعار طبعاتها الورقية، للوفاء بتكاليف الإصدار، ولكن من المتوقع خفض أسعار الصحف، ما يخلق مزيدًا من الطلب عليها، ويزيد من عدد القراء وهو مكسب كبير للمواطن الذى سيحصل على الخدمة -من جيبه بالطبع- وللدولة بحماية عقول مواطنيها، ليكونوا شركاء فى تقدم بلادهم.

وأهمية هذه الخطوة أنها ستساهم فى مكافحة العشوائية التى يعانى منها سوق الإعلام بجناحيه الفضائيات والصحف، إذ أن سلطة المجلس الأعلى للإعلام، لترشيد الأداء لن تترسخ بفرض العقوبات أو قرارات وقف البث فقط، ولكن بوضع حوافز لمن يحترم حق القارئ فى المعلومة الصحيحة والتحليل الجيد.

هذه الأفكار أضعها أمام الاجتماع المنتظر الذى دعا إليه عبد المحسن سلامة، نقيب الصحفيين، رئيس مجلس إدارة الأهرام، ومن المنتظر أن يحضره ممثلو الصحف القومية والخاصة، فى محاولة لمساعدتهم ولو بفكرة أظن أنها للصالح العام.

التعليقات