الثقافة بعافية

الثقافة بعافية

 

نحن بكل فخر واحد من الشعوب الأكثر استخداما للملابس. والدليل على هذا الزحام الملحوظ. ربما أكثر قبل تعويم الجنيه أمام محلات الملابس فى كافة أنحاء المدن الكبرى، خاصة القاهرة، والإسكندرية، وبورسعيد التى كانت مصدر جلب مايسمى بالبالة إلى أغلب البيوت. والمقصوذ بالبالة هى الزكائب التى تعبأ فيها الملابس المستعملة،

انتشار هذه الظاهرة عمل على تحويل المكتبات الكبرى إلى محلات لبيع الملابس، والتى زاحمها باعة الأرصفة، فاختفت تدريجيا المكتبات، وصمدت مكتبة مدبولى بقوة وهو اسم صاحبها الذى تحول من بائع جرائد على الأرصفة إلى صاحب أكبر مكان ومخزن لبيع الكتب،

وسرعان ماجاء آخرون لصنع ظاهرة تستحق الإشادة بها، وهى أن يشترى ناشر أو يؤجر محلات تصلح لبيع الملابس، وينشئ مكتبات بالغة الأناقة والفخامة، لا تبيع الكتب فقط بل هى أيضا ملتقى للمثقفين، وعمل الملتقيات الفكرية، فى وقت قيل إن القراءة ذهبت من القاهرة بلا رجعة، وعليك أن تتصور المنافسة، والغربة التى تعانيها المكتبات فى مثل هذه الأماكن، والمقصود هنا وسط البلد واستمر الأمر إلى أن بدأ الناس يعتادون على وجود المكتبات فى غير أماكنها المعهودة، ولك أن تتأمل الوضع الغريب لمكتبة وسط المحلات المجاورة، وكم من محاولات أخرى لم يكتب لها الاستمرار، إلا أننا عرفنا أن مكتبات أخرى بدأت تنتشر فى أحياء تجارية أخرى منها الزمالك ومصر الجديدة، وأخيرا المهندسين ويعنى هذا ازدهار صناعة الكتاب بالطبع، وهى صناعة متشابكة تؤدى إلى انتعاش الكتابة، والقراءة، والطباعة، فى زمن قيل فيه إن الكتاب الورقى صار فى حالة تلاشى، بما يعكس الأجواء الصعبة التى يقابلها أصحاب مثل هذه المشاريع، لكن المشكلة أن أصحابها لهم رسالة اجتماعية، وفى الأسبوع الماضى، وأثناء افتتاح مكتبة جديدة فى المهندسين. كان كل همى هو معرفة ماذا يقدم الناشر للناس لشراء كتب جديدة بأسعار قد لا تكون فى متناول الجميع، بما يعنى أن الانتقاء أمر بالغ الصعوبة، وكان الاهتمام هو معرفة عناوين الكتب المترجمة على الأقل، واكتشفت أن اللغة الفرنسية التى أراها أهم لغة ثقافة فى العالم قد انكمشت، وأن الأمر ينحصر فى ترجمة كتب أمريكية تعبر عن ثقافات الترعيب، والمطاردات، بما يعنى أننا فى مصر صرنا سوقا للثقافة الأمريكية الحديثة، وهى ثقافة لديها الكثير من أمراض العصر، بما يعنى أن القراءة صارت موجودة لكن هذا لا يعنى أبدا أن هناك ثقافة حقيقية عالمية فى هذه المكتبات، خاصة أن أغلب كتابنا الشباب يسيرون على خطى الكتاب الأمريكيين.

نعم لا تزال الثقافة بعافية، ولا يمكن أن أعتبر أن هذه الكتب فى الغالب من الثقافة الحقيقية.

 

التعليقات