من حِكَم نهاية الأسبوع

من حِكَم نهاية الأسبوع
 
(1)
على الطريق الدائرى، يوم الخميس، رحلة صعبة يبعد عنها العاقل ويحسب حسابها المضطر، تتحرك العربات مثل قطيع مكتظ من الخراف فى ممر ضيق، يسمح بطء الحركة بمتابعة عربة بعينها لو استدعى الأمر. أمامى  مباشرة عربة حديثة، يقودها شخص يتحدث بإنفعال ويوجه كلامه ناحية اليمين لمن تبدو جالسة بجانبه دون أن تظهر من ظهر الكرسى، يزداد إنفعاله حدة مع الوقت، يخبط بيده عدة مرات على مقود السيارة خبطات من عنفها تهتز السيارة كلها. تمنيت أن أتجاوزه، ثم أبطيء لأكون بمحاذاته وأكلمه، بالفعل أبدأ فى التنفيذ بينما أفكر فيما سأقوله له، هل أشير له بيدى أن " واحدة واحدة عليها؟" أم أثنى على جمالها ورقتها فيشعر بالخجل؟ لكننى تراجعت عن الفكرة، من حدته أدركت أنه غالباً ما سيخرج بقية غضبه فى شخصى المجهول وسيكون معه كل الحق فمن يتدخل فيمالايعنيه يستحق هذه المعاملة، بالإضافة إلى أننى لا أعرف بالفعل خلفيات الموقف ولا سبب غضبه. كان كل مايهمنى هو معادلة القوة المختلة داخل السيارة، فكرة كونها محبوسة فى هذه العربة، غير قادرة  لاعلى الرد ولا على النزول ولا الاختفاء، وكنت أعرف تبعات مثل هذا الضغط عليها، على الأسرة بأكملها. لكننى تراجعت عن الفكرة برمتها.
ومع هذا  واصلت خطتى لتجاوزه ثم المشى  بجانبه، أردت أن ألقى نظرة أشمل على الوضع. وحين فعلت، وجدت ما كنت أخشاه، كانت الزوجة الشابة تحتضن طفلة لا تتعدى العامين وهو لايزال يوجه لها نقداً عنيفا  ووجهه منقبض. وهى صامتة تماما تنظر على الطريق بتركيزمريب كمن يهرب بروحه بعيدا عن أسر جسده. ساعتها نزل الحزن فى قلبى، مهما كانت مبررات هذا الأب، كان من الواجب تقليل حدة هذا العنف فى وجود الطفلة، فهى لاتسمع عصبيته وحسب، بل ينتقل لها من حضن أمها كل معنى للخوف والضيق والقهر دون كلام. مشهد أعلم تماماً ان الأسرة كلها ستدفع ثمنه وتتضاعف الخسارة بتعقد العلاقات طوال الوقت‘ فهذا هو حال العلاقات داخل الأسر، تتعقد وتتفاقم وتزداد وتضيق لوجودها فى مكان واحد وتعرضها لظروف واحدة.
فقط لو كنت قلت له باب شنطة العربة مفتوح؟ لكان حارب الطريق المزدحم، وقف على اليمين، نزل بنفسه لإختبار الشنطة، عاد مرة أخرى للمقود. فى هذه الدقائق سأعطى السيدة الفرصة للهروب، او إستراحة قصيرة أوعلى أقل تقدير يتشتت ذهن الرجل بعيدا عن مشكلتهما ويعود بمزاج مختلف وفى كل الأحوال أكون قد سبقته بمسافة كافية!!
لكننى لم أفعل!
(2)
ألتقى بشابة واعدة وموهوبة، أقرأ فى عينيها الإصرار والذكاء العميق وإحساس صادق بصعوبة الحياة فى مصر لمن هن مثلها. نتحدث عن الحياة، الزواج، الأطفال. تسألنى بإهتمام عن تجربتى وأجيبها بصدق وبساطة اننا نتزوج دون إعداد ولا استعداد كافيين، دون أن ندرك حقوقنا واهمية التمسك بها وواجباتنا واهمية الإيفاء بها، لا نعلم شيئاً عن احتياجاتنا العاطفية والجسدية واحتياجات شركائنا المماثلة، والاختلافات العميقة بين الاثنين. تتركز اهتماماتنا على الأثاث والمقدرة المالية وليلة الحنة والفرح والنعيم المادى المنتظر ولو لأيام معدودة، وهى أشياء مشروعة لكنها لاتغنى عن الأسئلة الأصلية: لماذا نتزوج ولماذا هذا الشخص بالتحديد وماذا سنقدم فى زيجتنا لأنفسنا ولمجتمعنا. نحن لانعلم عن ضغوط المجتمع على علاقة مثل الزواج ولا وسائل مراجعة مشاكل العلاقة التى تنشأ ولابد. لانعلم شيئاً عن الأولاد ولا أسبابنا النفسية لوجودهم ولا طرق تربيتهم. فى الغلب الأعم نعتمد على طرق تربيتنا نحن فى بيوت أهلنا، تلك الطرق التى لايصح تطبيقها لاختلاف الزمن والظروف والتركيبة الخاصة بكل طفل. نعتمد على مقولات نجمعها على الأرجح من إعلام وصحافة فسادهما أكبر من صلاحهما، أو دراما تليفزيونية ممزعة بين تمثيل واقع مهتريء أو زرع قيم جمالية لم تعد موجودة، نجمع معلومات من جلسات النوادى أو المقاهى أو مجموعات الفيسبوك والواتس آب. نحن نتمرغ فى الجهل فيما يتعلق بأهم الأشياء على الاطلاق: حياتنا وطريقة إعمارنا للأرض وتختلف درجة الجهل بإختلاف المستويات لكننا نتشارك فى نسبة لا نتخلى عنها أبدا، لو اتفق الشيوخ  وعلماء النفس والاجتماع والقاساوسة على وضع شكل جديد لعقد الزواج، شكل تتضح فيه الحقوق والواجبات ويعرف الطرفان أن عليهما الالتزام وإلا ينفسخ العقد لاختلف الأمر كثيراً. هنا صاحت الشابة الذكية وقالت: " عقد الزواج بشكله التقليدى فى أغلبه عقد بلا معنى إذن؟"
صدمتنى كلمتها من شدة بساطتها! بالفعل العقد الذى يقوم على جهل الطرفين بكل شيء، والتمسك بتوافه الأمور هو عقد بلا معنى، ولايمثل أية حياة، هو عقد دعارة والعياذ بالله، لكنها دعارة قانونية!! لم أقل هذا ولكننى فكرت به طوال طريق العودة وأنا أتذكرعينيها العميقتين تحملان هماً كبيراً قبل الأوان.
التعليقات