رسالة إلى دولة رئيس الوزراء

رسالة إلى دولة رئيس الوزراء
السيد الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، أكتب إليك كأحد البنائين العظام، فى زمن لا بديل فيه عن البناء والتنمية، للخروج بالوطن من رحم المعاناة، إلى رحابة الحلم الذى تسعى حكومتكم الرشيدة إلى تحقيقه.
أما بعد...
فى البداية نثمن ما قمتم به من سعى لتنظيم عمل المهرجانات المصرية، بوضع أجندة سنوية وتشكيل لجنة عليا تشرف على الفعاليات المحلية والدولية برئاسة وزير الثقافة، ولا نجد غضاضة فى قراركم الساعى للقضاء على عشوائية طالما انتقدتها أقلامنا، ومصالح تحكمت فى بعض روافد الفن المصرى، ونتمنى أن نجد فى سعة صدركم براحا لما تحمله هذه السطور من حقائق لا تخفى على أحد، ولا تخلو من اعتراض فى محله على تقليص الدعم المقدم للمهرجانات المصرية.
دولة السيد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، نحن نعيش فى دولة فقدت قوتها الناعمة منذ انهيار مؤسسة السينما فى مطلع السبعينيات من القرن الماضى، وما تبعه من تراجع دور الإذاعة المصرية فى التحكم بمنظومة الغناء فى التسعينيات، وتقهقر المسرح إلى خلفية المشهد ليقتصر على عروض حكومية فقيرة بعد انهيار مسرح القطاع الخاص، فلم يعد للفن دور حقيقى مع تجاهل الدولة لجرائم القرصنة الإلكترونية والفضائية التى أدخلت صناعتى السينما والغناء فى غيبوبة طويلة المدى، لا خروج منها إلا بإرادتكم لإعادة الأمور إلى نصابها. 
ولا ننكر أن كثيرا من المهرجانات المصرية أخذ عليها اهتمامها بالشو الإعلامى، أكثر من الاهتمام بدورها التنويرى فى المجتمع، ولكن أقل هذه المهرجانات تأثيرًا، يسهم فى سد الفراغ الذى تركته الدولة للمتطرفين والجماعات الإرهابية، بجذب شرائح مختلفة من المصريين فى مختلف المحافظات التى تنظم فيها المهرجانات السينمائية، فى وقت عصيب تضع فيه الدولة مكافحة الفكر المتطرف على قائمة أولوياتها، لتحمى أجيالا من الشباب، فالخطر ليس فى من يحملون السلاح الآن، فالدولة وقواتها المسلحة وشرطتها كفيلة بهم، ولكن فى الرابضين حول آذان شباب تسهم الفنون فى الارتقاء بذائقتهم، وصقل وعيهم بما تحمله من أفكار أغلبها يحمل من التنوير الكثير، فالمهرجانات السينمائية الموزعة على عدة محافظات، تختلف نوعيا وجغرافيا عن بعضها البعض، وأنشئت بإرادة الدولة التى رأت فى إشراك مؤسسات المجتمع المدنى، أداة قوية تسهم فى حمل عبء تنظيمها، وتعهدت الدولة خلال الثمانى سنوات الماضية بتقديم الدعم اللازم لها، حتى أن المهرجان الكبير بين المهرجانات المصرية، وهو مهرجان القاهرة السينمائى الدولى كان مطروحا لمؤسسات المجتمع المدنى لتنظيمه، وحصلت عليه المؤسسة التى أنشأها الناقد الكبير يوسف شريف رزق الله، قبل أن يطالب الراحل ممدوح الليثى بحق جمعية كتاب ونقاد السينما فيه، لتتراجع وزارة الثقافة عن طرحه، وتحتفظ بحق تنظيمه هو والإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة دون غيرهما، فلا رعاة فى مصر يقدرون الفنون، ولا شركات تسهم فى دعم فعاليات فنية، إلا بوجود خاطف يرتبط بوجود نجوم الصف الأول لاستغلالهم إعلاميا، أو إعلانيا، وفى الوقت نفسه تحاصر الدولة الفنون بمنع أو تقليص الدعم، أو حتى بإضافة المزيد من القيود والبيروقراطية التى لا تلائم خططكم الرشيدة للسير نحو تأسيس حكومة إلكترونية حقيقية، ليصبح قرار الموافقة على تنظيم حفل غنائى واحد، يحتاج إلى موافقة 9 وزارات وهيئات مختلفة، فى الوقت الذى يرتقى فيه المتطرفون منابر المساجد، أو حتى الزوايا التى لا رقابة عليها، ويبثون سمومهم فى آذان وقلوب الشباب المصرى، وتسهم الدول الراعية والممولة للإرهاب فى إنتاج مصنفات فنية تبث عبر قنواتهم المارقة، وتجد لها مكانا رحبا عبر وسائل التواصل الاجتماعى، ليصبح تأثير الإرهاب كفكر، أكبر من تأثير الفنون فى مصر.
معالى رئيس الوزراء، نعلم أن البحث عن الجدوى فى ظل الأزمة الاقتصادية التى فرضتها قرارات الإصلاح الاقتصادى، كانت سببا فى تقليص الدعم إلى 40% من الموازنة الكلية للمهرجانات، ولا أجد حرجا فى التأكيد أن السيدة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة، وكل العاملين بهيئاتها يعلمون بوجود قرار سابق بأن يقتصر دعم الدولة للمهرجانات على 50% فقط، وهو قرار لم ينفذ حرصا على استمرار هذه المهرجانات فى أداء دورها المحورى فى المجتمع المصرى، كما تعلم سيادتها تمام العلم أن هناك لجنة موجودة بالفعل للمهرجانات، بل أنها تدرك الأزمات المحيطة بالمهرجانات المصرية، ووعدت بدعمها فى الكبوات التى تواجهها مرارا وتكرارا، لأن وزارة الثقافة لا تهدف للربح بقدر ما تهدف لكسب عقول المصريين والارتقاء بها.
دولة رئيس الوزراء، أؤكد لفخامتكم أن المهرجانات السينمائية التى تنظمها مؤسسات المجتمع المدنى لا تحصل على الكثير من الدولة، وهو ما جعل وزارة الثقافة تعوض ضعف التمويل الممنوح لها، بدعمها بأجهزة العرض السينمائى التى يقدمها المركز القومى للسينما، وتوفير أماكن العروض التى توفرها هيئة قصور الثقافة من خلال قصورها المختلفة بالمحافظات، ومشاركة هيئة الكتاب وحتى المطابع الأميرية فى تنفيذ إصدارات المهرجانات، مع خصم من هنا ووسيلة انتقال من هناك ومبلغ مشروط من جهة ثالثة، ليصبح القائمون على مهرجانات الإسكندرية والأقصر وشرم الشيخ وأسوان «يغزلون برجل حمار» كما تقول جداتنا، و رغم كل هذا لم يتخاذل صناع هذه المهرجانات التى تكلف وزارة الثقافة أقل من 10 ملايين سنويا، ولا تتجاوز إجمالى ميزانياتها 20 مليونا، وهى مبالغ طالما طالبنا بمضاعفتها لا تقليصها، علما بأن حسابات هذه المهرجانات مراقبة سواء من وزارة الثقافة أو الجهاز المركزى للمحاسبات، وجميعها تقدم حسابا ختاميا عن كل دورة، بل أن بعض منظميها ينفقون من جيوبهم، ولا أنسى أن الراحل الكبير محمد كامل القليوبى، اضطر لدفع أكثر من 30 ألف جنيه لأحد فنادق الأقصر، فى مهرجان السينما المصرية والأوروبية، قبل انتقاله إلى شرم الشيخ، بعد أن رفض الفندق انتظار شيك وزارة الثقافة، فدفع المبلغ من حسابه الخاص، حرصا على استكمال الأيام الأخيرة من المهرجان، وحينما حصل على دعم خارجى من الاتحاد الأوروبى تم تجميده ليضطر للجوء إلى القضاء، كما أن هذه المهرجانات تستقطب مئات الشباب من المتطوعين، ويمكن أن تسأل عن جمعية محبى مهرجان الإسكندرية، الذى تطوع كثير منهم للعمل فى دورات المهرجان، أو تلجأ لمستشار وزير الثقافة للسينما الدكتور خالد عبد الجليل، الذى استعان هو والناقد عصام زكريا رئيس مهرجان الاسماعيلية بعشرات المتطوعين من شباب الإسماعيلية فى الدورة الأخيرة، ناهيك بالورش التى تقام على هامش كل المهرجانات لتعليم شباب هذه المحافظات فنون السينما، أو دور هذه المهرجانات فى تشجيع السياحة مع استضافتها لجنسيات مختلفة من شتى بقاع العالم، والذين تحولوا الى سفراء لمصر فى بلدانهم، كما كان لهم دور كبير فى تكذيب مقولة أن «مصر ليست آمنة للسائحين»، بعد استمتاعهم ببلدنا وشعورهم بالأمن والأمان فى محافظاتها المختلفة، فهل كل ما سبق لا يساوى لدى حكومتكم الرشيدة 10 ملايين جنيه؟
وختاما، إن كان ولا بد من تقليص الدعم الذى يعنى إطلاق رصاصة الرحمة على مهرجانات السينما التابعة لمؤسسات المجتمع المدنى، فعلى وزارة الثقافة أن تتولى تنظيمها بمعرفتها، ولا أعتقد أن أيًا من منظميها سيرفض بقائها على قيد الحياة، حتى ولو لم يكن فاعلًا فيها، حتى لا نغلق نوافذ يطل من خلالها شباب مصر على آفاق جديدة، بل هناك فئات لا ترى السينما إلا سنويا فى مثل هذه المهرجانات، كما فى محافظة الأقصر، التى لا تضم أى دور عرض سينمائى، فهى محافظة بلا سينما، وتوقف مهرجان الأقصر يدفن أحلام شبابها، وفى النهاية، أتوجه لسيادتكم بوافر الشكر والعرفان على ما قمتم به من بناء، ولا أعتقد أنكم تميلون لهدم المهرجانات المصرية، مع ارتباطها بمشروعكم لمكافحة الإرهاب والتطرف، والحفاظ على عقول الشباب المصرى.
والسلام ختام 
التعليقات