الحشو غير المنضبط

الحشو غير المنضبط

الحشو الإعلامى الذى يعكسه ذلك الزخم غير المقنن على الفضائيات يشير إلى الدور الخطير الذى يلعبه الإعلام فى الحفاظ على الهوية أو طمسها، الأمر الذى يتطلب حرصا أسريا حتى لا تقع الأجيال الناشئة فى مصيدة الإعلام التافه الذى يعمل سواء عن قصد أو عن غير قصد على طمس معالم الهوية الدينية والاجتماعية.

فوضع الإعلام العربى الحالى يضعنا أمام معادلة صعبة لا يمكن معالجتها إلا من خلال رغبة حقيقية فى تقديم المعلومة الصحيحة بعيدا عن كل المعايير التجارية التى تسيدت كل الأوساط الإعلامية، حيث لم يعد الهدف الذى ينطلق الإعلام من خلاله هدفا توعويا، وإنما أصبح هدفا ربحيا تجاريا يتطلع فقط إلى جذب النسبة الأكبر من المشاهدين ولو عن طريق مواد إعلامية أكثر إثارة وخروجا على الآداب العامة، لذلك من الضرورى أن نبحث عن المفيد فى هذا الصدد، وهو أن يكون هناك نوع من الالتزام القيمى والأخلاقى.

لكن ما يحدث فى الإعلام العربى أصبح ظاهرة عامة فى حياتنا فى كل المجالات وليس الإعلام فقط، لدرجة أن ما أصاب الإعلام يمكن أن يكون استمرارا لشكل من أشكال الانحراف التى يعانى منها المجتمع العربى وجعلته يحيد عن الحق والصراط المستقيم الذى ينبغى أن تتحلى به الأمة العربية الإسلامية، فضلا عن كونه أحد الإفرازات الطبيعية للمفاهيم الخاطئة التى تسود الأوساط الاجتماعية وتسيطر على عقول معظم الشباب والمراهقين، مما يدل على وجود عام فى المنظومة الأخلاقية، خاصة مع تزايد القنوات الفضائية التى تعمل بطرق عشوائية من خلال عناصر عير مؤهلة للعمل فى مجال الإعلام، مما فتح الطريق أمام نماذج غير سوية تحسب فى النهاية على الوسط الإعلامى.

فالعمل فى الوسط الإعلامى يتطلب الالتزام بالعديد من الضوابط الأخلاقية المبنية على أساس أن الكلمة أمانة يسأل عنها صاحبها أمام الله سبحانه وتعالى، حيث يقول سبحانه فى كتابه العزيز (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) وهو ما يعنى أن الكلمة فى الإسلام لها مكانتها العظيمة ومسؤوليتها الكبيرة.

فالكلمة من وجهة نظر الإسلام إما أن ترتقى بصاحبها إلى درجات الصالحين، وإما أن تنزلق به إلى دركات المفسدين، حيث يقول النبى صلى الله عليه وسلم «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا يسخط الله بها عليه إلى يوم القيامة».

والمسلم الذى يعتاد الكلمة الطيبة، يتاجر بها مع الله سبحانه ويأخذ على كل كلمة طيبة عشر حسنات، ولذا قال الله سبحانه وتعالى (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار).

لكن تبقى المشكلة قائمة، وهى أن معظم قنوات الإعلام المرئية يغلب عليها الجانب التجارى الهادف إلى الربح، فدخول الشركات التجارية ورجال الأعمال لمجال الإعلام إلى إنشاء هذه القنوات كان بهدف الربح بشكل أساسى دون النظر إلى أى قيم وأخلاقيات، من المفترض أن يلتزم بها الإعلام الجاد وبالتالى فى ظل هذا الوضع الحالى يؤكد أن مطالبة هذه الفضائيات أو غيرها من وسائل الإعلام المرئية الأخرى بالتزام الجانب الأخلاقى والدينى.

لذلك علينا أن نعيد إحياء ما يعرف بمدونات السلوك أو أخلاقيات المهنة، والتى هى عبارة عن مجموعة من القواعد والآداب والمبادئ والمعايير السلوكية والأخلاقية التى يجب أن تصاحبها ويتعهد صاحب المهنة القيام بها فى مهنته تجاه العمل وعناصره من العملاء والزملاء والمرؤوسين والرؤساء والمهنة والمجتمع والنفس والذات، وتعدّ أساسا لتعاملهم وتنظيم أمورهم وسلوكهم فى إطار المهنة، ويعبّر المجتمع عن استيائه واستنكاره لأى خروج عن هذه الأخلاق بأشكال مختلفة تتراوح بين عدم الرضا والانتقاد، والتعبير عنها لفظا أو كتابة أو إيماءً، وبين المقاطعة والعقوبة المادية، وأتحدث هنا عن أخلاقيات المهنة فى ظل تراجع منظومة القيم فى هذا الزمان، عسى أن يثوب البعض لرشدهم الأخلاقى والمهنى!

وهنالك فرق كبير بين الأداء الوظيفى والعمل المهنى، فالأداء الوظيفى استيفاء الحد الأدنى الموكل للموظف من أعمال من قبل الرؤساء لتنتهى الوظيفة آخر النهار وليقبض الأجر آخر الشهر، لكن العمل المهنى فيه التزامات كثيرة تجاه عدّة أطراف منها صاحب العمل والزملاء والمرؤوسين والرؤساء والمالك والمجتمع والمهنة والنقابة، وفيه مسؤولية أخلاقية ومسؤولية تعاقدية ومسؤولية فنية ومسؤولية تشريعية ومسؤولية إنسانية ومسؤوليات أخرى.

 

 

التعليقات