بعد منتصف الليل فى استوكهولم: سر النجفة الكريستالية (2)!

بعد منتصف الليل فى استوكهولم: سر النجفة الكريستالية (2)!

 

كنت قد انتهيت فى مقال سابق على سؤال حول مفهومى «الكفاءة» و«الفعالية»، وهل نطبقهما فى مصر فى كل مناحى الحياة أو بعضها؟

ومن الغريب أن ما آثار هذا التساؤل لدى هو «نجفة كريستالة» كانت معلقة فى غرفة الفندق الصغيرة الذى أقمت به خلال رحلتى إلى العاصمة السويدية!

فعندما لفتت «النجفة» نظرى فور وصولى إلى الفندق ليلا، حيث رأيت وجودها فوق السرير مباشرة مزعجا جدا بالنسبة لى، وفى لحظة شجاعة قد قررت أن أسأل موظفة الاستقبال عنها وأنا فى الحقيقة متوقعة أن أسمع منها ما لايسرنى، ومع ذلك قررت المخاطرة بالسؤال..

 

وعلى عكس توقعاتى.. فإننى فوجئت منها برد تفصيلى متخصص، عن إصرار مصمم الديكور على وضع النجفة لتتماشى مع تاريخ المبنى، وأنها تتبع أعلى درجات الأمان لوجود أسلاك ذات مواصفات معينة تشدها لأعلى وتمنعها من الوقوع... تابعت الفتاة الكلام لتصف بدقة تكنيك تعليق النجفة فى سقف الغرفة وسط انبهارى وعدم توقعى لمثل هذه الإجابة المفصلة التى اتسع عقلها لحفظها وصدرها لتسميعها لى.

شعرت بالامتنان للموظفة التى أجابت عن سؤالى العابر بالتفصيل و«بكفاءة» كبيرة.. وخطوت فى الشارع لأتجول قليلا قبل الذهاب للنوم، بينما شغلت بالى مفاهيم عديدة.

الكفاءة والفعالية، والاقتصاد.. الكفاءة فى تعامل الموظفة مع متطلبات وظيفتها، والكفاءة فى كونها موظفة واحدة تدير المكان فى الوردية الليلية ولا يكاد المرء يشعر بوجودها لكنها متواجدة بالفعل وبدون تقصير.

والاقتصاد فى تشغيل الموارد البشرية.. فالمكان يعتمد عليها فقط.. طبعا اكتشفت تغير الفتاة مع تغير الوردية وهذا أمر طبيعى.. لكن دائما وأبدًا هناك فرد واحد فى الوردية الواحدة.. وهو موجود ويملأ مكانه.. ويرد على استفسارات النزلاء أمامه، وعلى الهاتف، ويخرج أحيانا معك خطوات للشارع ليصف لك الطريق.. كل ذلك بابتسامة مهذبة.

وقد لاحظت ذلك فى عدد من المطاعم أيضا حيث توجد فتاة واحدة تفعل كل شىء رغم اكتظاظ المطعم بالزبائن!!

فى الحقيقة إن مقارنة المواطنين هنا بمواطنينا مقارنة ظالمة.. فطبيعة الحياة هنا تكفل للفرد صحة بدنية وعقلية تمكنه من القيام بعمله بفاعلية نفتقدها نحن.. فالمسألة من وجهة نظرى ليست تكاسلا متعمدا لدى المواطن المصرى بقدر كونها مشكلة أكبر تتعلق بمعطيات المجتمع وجودة الحياة التى تتوافر للفرد فيه!

وبالعودة لمفهوم الاقتصاد.. فالاقتصاد لا يقتصر هنا على الموارد البشرية فقط، بل الاقتصاد فى المكان أيضًا.. فالفندق أنيق لكن البهو الخاص به لا يقارن بفنادق القاهرة الواسعة، والبهو عبارة عن مكان للجلوس ولتناول الوجبات أيضًا.. وظيفتان فى مكان واحد صغير لكن منظم وموظف جيدًا.. طبعا لأن المساحات فى المدن الأوروبية لها ثمن وليس من السهل إهدارها، لكننا فى الحقيقة قد نكون أولى بهذا فى القاهرة التى تفتقر إلى هذا المبدأ بشكل كبير.. فالمكان قد يكون واسعًا لكن الخدمة سيئة، والموظفون عددهم كبير لكن لا أحد يساعدك فى الحقيقة.

طردت أفكارى وحاولت الترحيب بالهواء النقى الذى استقبلنى خارج الفندق، واستجمعت شجاعتى لأسير مبتعدة وأنا لا أعرف الاتجاهات وأخشى ألا أعرف كيف أعود.. وجدت كنيسة صغيرة أمام الفندق.. برتقالية مميزة الشكل رغم صغرها ولها برج أخضر مرتفع نسبيا.. شجعنى شكلها المميز على الابتعاد على أمل أننى سأبحث عنها بين المبانى فى طريق عودتى.. سرت وأنا أتلفت خلفى لأنظر لها كلما ابتعدت فأجدها ظاهرة فأتشجع وأبتعد أكثر.

بالقرب من الفندق هناك ساحة تسمى حدائق الملك.. وبالرغم من هدوئها إلا أن هناك أشخاصا متفرقون يجلسون على المقاعد المرصوصة أمام البحيرة الصغيرة فى منتصف هذه الحديقة.. ابتعدت أكثر لأرى محل من محلات «الأنتيكات» التى أغلقت أبوابها لكن أضواءها ما زالت منيرة.. لأجد نفس النجفة الموجودة بغرفتى معروضة فى المحل بأحجام متنوعة! وفى الأيام التالية كانت نفس النجفة بنفس التصميم حرفيا فى أكثر من مكان من المتاحف والقصور الموجودة بالعاصمة.. مما أثار فضولى لأعرف ما السر وراء انتشار هذا التصميم بالتحديد وهو السؤال الذى لم أجد له إجابة حتى الآن!

ابتعدت قليلا لأرى فندقا كبيرا يسمى «الجراند أوتيل»، عرفت أنه أقدم فنادق العاصمة وأنه مقر مبيت الحاصلين على جوائز نوبل السنوية فضلا عن مشاهير الفن والسياسة.

 وأمام الفندق وحوله الكثير من المسطحات المائية الأشبه بالموانئ.. حيث تنتشر المراكب واليخوت الصغيرة حيث يُستخدم بعضها كفنادق للسائحين رغم صغر حجم الغرف الموجودة داخلها.

على مقربة من الجراند أوتيل وجدت أضواء تتلألأ لسفينة.. أو ربما هيكل فقط يأخذ شكل السفينة.. بهرنى منظرها لسبب لا أعرفه وتلفّت حولى فى محاولة لمعرفة علامات حولها قد تدلنى على كيفية الوصول لها مجددا فى الأيام التالية.. ما أن أطمئننت لذلك حتى غادرتها على أمل العودة إليها فى يوم آخر!

المدينة فعلا ساحرة وهناك أشخاص يسيرون بطمأنينة رغم تأخر الوقت.. يبدو أن ماقالته موظفة الفندق صحيحا فيما يتعلق بالسير ليلا فى المدينة وكونه أمرا عاديا.. قررت أن أثق بها بعد تلك التجربة!

لاحظت أن الكثير من الشباب يتحدث اللغة العربية.. هل هم لاجئون سوريون؟ لا أعتقد رغم علمى أن المدينة تكتظ بهم.. أعتقد أن لهجتهم عراقية.

توقفت أمام إحدى الفتيات التى كانت جالسة على مقعد فى الشارع لأسأل عن مكان سوبر ماركت قريب، فأخبرتنى أنها مسافرة وأن موعد قطارها بعد وقت قصير ولهذا تنتظر فى الشارع.. وتطوعت بالسير معى لترينى المكان بالتحديد، وهو ما فاجأنى أيضا ولم أتوقعه فى هذا الجزء البارد من العالم!

شكرتها فتركتنى وهى تعتذر لى عن أن لغتها الإنجليزية ليست جيدة رغم أنها تتقنها تمامًا من وجهة نظرى.. ابتسمت للطفها وعدت أدراجى فى طريق الفندق وبحثت عن الكنيسة الصغيرة ببرجها المميز.. ومن ثم إلى الفندق الصغير المختبئ خلفها.. وللحديث بقية بإذن الله.

 

 

 

 

 

 

التعليقات