صناعة المواقف

صناعة المواقف

 

إذا كان الواقع يثبت أن فئة من الرجال بمقدورها أن تبلى بلاء حسنا فى أوقات الأفراح فإن الفئة الأهم هى التى تظهر جلدا فى أوقات الأتراح، وهى التى تستطيع أن تواسى وتخفف وتمسح وتزيل الألم وتخفف الكرب وهذه ثقافة تصنعها التربية وتصوغها قدرة الفرد على البذل والعطاء، وهنا فقط يمكن اكتشاف معادن الرجال ويمكن التمييز بين الرجولة الحقيقية والرجولة المصطنعة، بين رجولة المواقف ورجولة المنافقين والمستفيدين وكذابى الزفة وأصحاب المنافع والمصالح، فصناعة المواقف مهارة لا يستطيع القيام بها كثير من الناس، فهى مزيج من الرجولة والعطاء، فمن المعروف أن الرجال مواقف دائما فيما تصنعه من أحداث أو أنها هى التى تصنع الأحداث، ومن خلال الحدث يمكن الحكم على مدى قدرة الرجل على إثبات ذاته وجدارته فى التعاطى معه.
أعتقد أن الفرق شاسع وأن الفجوة واسعة بين هؤلاء وأولئك، بين أناس الرجولة عندهم سجية وليست صنعة وآخرين الرجولة عندهم ليست سوى شعارات زائفة وادعاءات باطلة.
عند هذا الحد تسقط الأقنعة ويبدو كل أمر فى نصابه الصحيح وتنكشف سوءات غطاها الزيف وتظهر عورات سترها الضلال، ثم إذا بها أمام أول هبة لرياح الحقيقة تسلم الراية معلنة عن جوهرها الحقيقى مسقطة عن نفسها تلك الأقنعة التى طالما تخفت وراءها والحجب التى كانت تظن أنها تحجب حقيقتها عن الناس.
أحيانا أحدث نفسى: ما بال هؤلاء بعدما تنكشف حقيقتهم ويتعرون أمام من كانون ينسجون أمامهم ثياب الفضيلة؟ ما بالهم ونظرات الاستهجان والاحتقار ترمقهم ولسان حالها يقول ليتنا نسترد نظرات الإعجاب وعبارات الإطراء التى كنا نحوطهم بها، ليتنا نقدحهم بكل عبارة مدح قلناها فى حقهم ليتنا نفضحهم على رؤوس الأشهاد حتى لا ينخدع فيهم غيرنا كما خدعنا فيهم من قبل، ليتنا نحذر كل من ينظر إليهم نظرة إعجاب حتى لا يوقرهم مثلما وقرناهم ثم لا يلبث حتى يجد نفسه أمام نوعية من الناس غير تلك التى رسمها فى مخيلته.
لذلك فإن التأنى فى الحكم على الناس والتعرف عليهم ضرورة واضحة يفرضها الواقع المجتمعى لا أقول الحالى بل هو الواقع الدائم لأن هذا هو حال الدنيا وسوف يظل حالها، الفارق الوحيد هو إمكانية الاستفادة من التجارب السابقة فى الحكم على الأشخاص، خاصة أن الكذب أعرج ليس له قدمان يمشى عليهما، وهو فى الوقت ذاته قصير النفس قصير الأمد غير مأمون العواقب.
وهنا يتجلى للعيان مراد النبى صلى الله عليه وسلم من دعوته إلى التأنى فى اختيار الصحبة وعدم التعجل فى الحكم على الناس عندما قال «أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما»، خاصة أن هذا التأنى سيتيح للزمن القدرة على إماطة كل الأقنعة، لذلك فإن الطريقة المثلى فى التعامل مع هؤلاء ما أوصى به محمد بن الحنفية «ليس بحكيم من لا يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدًّا حتى يجعل الله له فرجا أو مخرجا».

 

التعليقات