حرب شادية

حرب شادية

 

لم ينتبه الكثيرون إلى الحرب غير المعلنة حول وفاة المطربة والممثلة شادية قبيل وعقب رحيلها، إنها مواجهة لن تتوقف بين الفن وخصومه، الفنانون الذين فى الساحة عبروا بكل تحضر عن حبهم لفنانة أسعدت الناس لسبعين عاما بموهبتها، حتى وإن صارت معتزلة منذ أكثر من ثلاثين عاما، ففى الوقت الذى عادت فيه فنانات عن اعتزال الفن، فإن شادية كانت من الأخريات اللائى ظللن على موقفهن، وكان الأمل قد حدا بالكثير من الفنانين بأن مسألة الاعتزال ستكون موقوتة، وأن الكثير ممن اعتزلوا سيعودون من جديد، لكن الزمن دوما كان بالمرصاد ولم يمتلك الكثيرون ممن عادوا، نفسَ بريقهم القديم، حيث إن بعض هؤلاء الفنانين لم يكن وسطيا فيما اتخذ من موقف، فهو من أقصى اليمين إلى أقصى الجانب الآخر، أى من أدوارالإغراء المكشوف إلى التشدد فى الابتعاد عن الناس.

هى ظاهرة بدأت فى النصف الأول من الثمانينيات، شهدت انتشارا ملحوظا للطرف الثانى، حيث كرس بعض الشيوخ أنشطتهم الدعوية لجذب الفنانين إلى اعتزال الفن وكان هناك هدف ملحوظ فى هذا الشأن ضمن العديد من الأساليب التى عرفها المجتمع للمرة الأولى، وبعد عدة سنوات رجعت فنانات تائبات إلى المجتمع مجددا، وقد مست هذه الظاهرة الكثير من الفنانين الرجال، والنساء معًا، وأعلن بعضهم أن الفن حرام، والغريب أن بعض هؤلاء الفنانين لم يكن وسطيا فيما اتخذ من مواقف.

وقد وقف الفنانون دومًا ضد الظاهرة، وتصدوا لها، وقامت حرب ناعمة غير محسوسة لا تزال قائمة حتى اليوم.

والغريب أن الفنانة شادية كانت من أوائل من استجبْن للاعتزال، ولم يكن فى مسيرتها ما يدعو إلى أن تتصور أنها ارتكبت أمورا جسيمة تستدعى كل هذه العزلة التى فُرضت عليها كأنها الراهبة، وقيل إن هناك شيخا لعب هذا الدور مع الممثلين، إلا أن أهل الفن قد تركوا باب العودة مفتوحا دوما،

وحاولوا بطرق خفية استعادة زملائهم الذين يريدون الرجوع، ولم يقفوا ضد رغباتهم فى العودة للعمل، وفتحت الأبوات أمام عفاف شعيب، وسهير رمزى، ومحسن محيى الدين، وحسن يوسف، وآخرين.

بدت شادية بالغة التشدد فى عدم العودة، وفى أحد الأعوام قرر مهرجان القاهرة السينمائى تكريمها، وانتظر الناس حضورها لكنها لم تأت، وكأن هناك ضغوطا وإغراءات دفعتها إلى ذلك، رغم أنها لم تصرح تقريبا بأن الفن حرام، وعندما صارت شادية على فراش الموت راحت كل الأوساط الفنية تتعامل معها بصفتها الفنانة، وامتلأت كل وسائل الإعلام تحيى شادية الفنانة، وتمت تحيتها بقوة فى مهرجان القاهرة السينمائى الذى رفضت تكريمه من قبل، وتحولت شادية إلى فنانة معتزلة فى المقام الأول، وفى أثناء جنازتها برزت رحى الخصومة، حيث اجتمعت مجموعة من النساء فى جانب من الجنازة يدعين للمواطنة الملتزمة الحاجة فاطمة.

إنها حرب خفية معلنة، وسوف تستمر لأطول فترة ممكنة، وقد تأججت بعد الرحيل بعدة أيام، حيث نشر شخص صورة لشادية وهى بدون حجاب، تبدو بيضاء الشعر، إنها شادية التى نعرفها تبتسم بتلقائيتها، وكأنها تقول لو لم أبتعد عن الفن لصارت هذه صورتى أيضا، وتأججت الآراء المتناقضة، ولا أحد يعرف متى ستنتهى هذه الحرب الناعمة.

التعليقات