انعكاسات مقتل «صالح» على المنطقة العربية

انعكاسات مقتل «صالح» على المنطقة العربية

 

لا يقدر البعض انعكاسات ما يحدث فى اليمن على الواقع العربى بوجه عام وعلى الواقع المصرى بوجه خاص.

والحقيقة أن ما يجرى فى اليمن يؤجج التوترات الإقليمية فى المنطقة بشكل كبير، يمكن أن يشكل مصدر قلق ليس للمنطقة وحدها، ولكنه قد يتعدى ذلك ليطول الغرب أيضا بسبب تهديد الهجمات التى من المحتمل أن تنتشر كلما ازدادت الاضطرابات فى اليمن، خاصة مع الأهمية الاستراتيجية لليمن الذى يطل على مضيق باب المندب، وهو مضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن تمر عبره أغلب شحنات النفط فى العالم، وبالتالى فإن استمرار الفوضى فى اليمن سوف يؤثر بشكل مباشر على استقرار العالم، وهو الأمر الذى لم يعد العالم يخفى تخوفاته منه، خاصة مع ذلك المصير المجهول، الذى ينتظر الشعب اليمنى، فالحرب العبثية تهدد مصيره، واستمرارها يهدد استقرار المنطقة، حيث يشهد اليمن أسوأ كارثة إنسانية فى الـعـالـم، تتفاقم بشكل أسوأ مع دخول اليمن فى نفق مـجـهـول، بمقتل الـرئـيـس المخلوع على عبد الله صالح، وهو ما يستحيل فى ظله التنبؤ بمآلات الوضع فى ظل التصعيد والاتجاه للثأر (الذى أعلن عنه نجل على عبد الله صالح) من خلال الزحف المسلح نحو العاصمة، مما يعنى خسائر فادحة فــى الأرواح والممتلكات وتدمير المرافق الخدمية والتعليمية، وهو ما يعمق الجرح اليمنى.

الخطر الأكبر يكمن فى ذلك التهديد الذى ينتظر المنطقة، فبعد مقتل صالح، اليمن، تصبح المنطقة بأثرها على أعتاب مرحلة جديدة، قابلة للتشكل السريع، فإما أن تكون ظهيرا وسندا لمحيطها العربى، أو معولا بأيدى طهران، كما لا يمكننا أن نغفل أن هذه البيئة المنفلتة التى تتشكل، بيئة حاضنة للجماعات الإرهابية.

ورغم أن البعض يرى أن مقتل صالح شكَّل نهاية للرهانات الدولية والإقليمية على كسر شوكة اللجان الشعبية المشتركة والتى تُشكل حركة أنصار الله عصبها الأساسى، مما يعنى توجه الساحة الداخلية اليمنية إلى مرحلة جديدة تستطيع من خلالها القوى اليمنية فرض خياراتها شرط تحقيقها للاستقرار وتأمينها للوحدة الداخلية، إلا أن الحاصل على أرض الواقع يذهب بعيدا عن هذا التصور، حيث لا تزال قوى الحوثى المدعومة من إيران متصدرة المشهد، وذلك من خلال احتفالاتها غير الخفية بالتخلص من على عبد الله صالح، حتى إن زعيمها عبد الملك الحوثى وجه تهنئة لليمنيين بهذه المناسبة.

التكهنات التى تذهب إلى أن رغبة حزب المؤتمر فى الانتقام لصالح سوف تقوده للتحالف مع قوى شعبية رافضة للنفوذ الإيرانى ومعارضة للتمدد الحوثى، ترد عليها تلك الحشود التى خرجت فى شوارع اليمن من مؤيدى الحوثى، لذلك فإن مخاوف سيطرة الحوثيين على المفاصل الاستراتيجية لليمن باتت أكثر خطورة، لأنها تعنى تسليم تلك المفاصل مباشرة لإيران، أو بمعنى آخر، سوف تكون هذه المفاصل رهن إشارة إيران.

ما يزيد الأمور تعقيدا، هو ذلك التوقيت الذى اغتيل فيه على عبد الله صالح، والذى يأتى فى وقت تعيش فيه منطقة الخليج العربى واقعا مأزوما سياسيا واقتصاديا، وهو ما يعنى فرصة أوسع لتسلل إيرانى ليس فى اليمن وحده ولكن فى المنطقة، على الأقل عبر المنافذ، التى لم يعد هناك مجال لإنكار أنها منافذ إيران لبسط أذرعها فى المنطقة وهى سوريا ولبنان، ثم اليمن.

مقتل صالح أيضا يأتى فى وقت يلوّح فيه ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وخطورة ذلك أن العرب فى هذا التوقيت، مقسمون، بين من ينشغل بانعكاسات مقتل على عبد الله صالح على المنطقة، عن القضية الفلسطينية، والتصدى لهذا القرار الأمريكى المتهور، وبين من ينشغل بالقضية الفلسطينية عن مقتل صالح، وبالتالى فإن توقيت مقتل صالح فتت جهود العرب التى كان يفترض أن تتوحد لصالح التصدى لقرار الرئيس الأمريكى.

إشارة أخرى لا يمكننا أن نغفلها فى حادث مقتل صالح، وهى تلك الطريقة الفصائلية الطائفية الهمجية التى قتل بها كلا الرجلين محتميًا بمسقط رأسه، ومن عجائب القدر أن كليهما قد مات فى نفس اليوم.

لكن المشكلة لا تكمن فى يوم مقتلهما أو الطريقة التى قتلا بها، ولكن فى الإشارة التى تحملها هذه الطريقة، فاليمن إذن مرشح لصراع طويل ومعقد كذلك الذى تعيشه ليبيا، مما يعنى مزيدا من التأزيم للعمق الاستراتيجى للدول العربية الفاعلة، ومزيدا من الانشغال بتأمين هذا العمق عن قضايا الأمة الحيوية.
 

التعليقات