البطل الصغير

البطل الصغير

 

كانت القبيلة تقيم فى أكواخ متقاربة على حدود الغابة الكثيفة وذات يوم أغار على القبيلة فيل هائج فحطم بعض الأكواخ وداس بعض الأطفال وهشم بعض الأوعية ثم عاد إلى الغابة آمنا مطمئنا! واجتمع أهل القبيلة إلى زعيمهم يتشاورون فى الأمر فقد كانوا يخشون أن يتخذها الفيل عادة فيغير عليهم مرة ثانية وثالثة فيؤذيهم ويحطم أكواخهم وأوعيتهم ويقتل أطفالهم فرأى الزعيم أن يختار سبعة من رجال القبيلة الأشداء وطلب إليهم أن يحتالوا لاصطياد ذلك الفيل وقتله..

وكان «تيكى» الصغير واقفا فى زحام الناس يستمع لكلامهم وكلام الزعيم فتمنى لو كان كبيرا ليختاره الزعيم من بين السبعة الذين اختارهم لاصطياد ذلك الفيل ليثبت لأهل القبيلة شجاعته وبطولته وسعة حيلته ولكن تيكى كان صغيرا لا تتجاوز سنه الحادية عشرة فلم يختره الزعيم ولم يخطر فى باله أن طفلا مثله يصلح لهذه المهمة الخطيرة..

لم يحزن تيكى لذلك فقد كان يعتقد أنه يستطيع أن يصرع ذلك الفيل الضخم وإن لم يختره الزعيم! وأسرع فأخذ حربته وغمس طرفها فى السم ثم سار نحو الغابة يجوس خلال الأعشاب النامية وهو يتسمع الأصوات ويتشمم الروائح ليعرف أين يكمن ذلك الفيل الضخم وأخيرا اهتدى إلى مكانه من رائحته الكريهة فمشى حذرا متلصصا نحو المكان الذى تنبعث منه الرائحة فلم يلبث أن رآه على بعد قريب. وكان فيلا هرِما ضخم الجثة كبير الأنياب عظيم الخرطوم لو لفه حول دار لاقتلعها!

وكانت الحربة المسمومة لم تزل فى يد تيكى ولكنه خاف أن يقذفها على الفيل فلا تنفذ فى جلده الغليظ ويتنبه الفيل إليه فيهجم عليه فلا يتركه إلا عجينة مختلطة من لحم ودم وعظم! وقف تيكى يفكر لحظة ثم خطرت على باله فكرة فأسرع عائدا نحو القرية حيث كان الرجال السبعة الذين اختارهم الزعيم جالسين على حافة الغابة فى هدوء يتربصون بالفيل وفى يد كل منهم حربته المسمومة فلم يكادوا يرون تيكى قادما من نحو الغابة حتى ابتدروه سائلين: هل عرفت مكان الفيل الهائج؟ قال تيكى: نعم فأعطونى هذه الحراب السبعة ثم اتبعونى!

وكان جسمه الدقيق الصغير يساعده على سرعة الحركة بين أغصان الغابة المتشابكة، أما الرجال السبعة فكانوا يتعثرون فى طريقهم وراءه.. وأخيرا وصل تيكى إلى حيث كان الفيل واقفا ولكنه لم يجده فقد انتقل من مكانه مختفيا بين أشجار الغابة ولكن تيكى لم ييأس فوقف مكانه برهة يتسمع الأصوات ويتشمم الروائح، فإن كركرة بطن الفيل تُسمع من مسافات بعيدة وتدل على مكانه كما تدل عليه رائحته فلم يلبث تيكى أن سمع الكركرة فالتفت نحو الرجال السبعة وقال لهم: اتبعونى!

وأخذ يتسلق الأغصان بخفة حتى وصل إلى مكانه فهبط بحذر وغرز مقابض الحراب المسمومة فى الأرض وجعل أطرافها مشرعة بحيث تسد طريق الفيل إذا أراد أن يجرى ثم تراءى للفيل غير خائف والرجال يرقبونه من خلال فروع الشجر مشفقين عليه ولم يكد الفيل يرى الطفل أمامه حتى أسرع إليه ليقتلعه من الأرض بخرطومه أو يعجنه فى الأرض بخُفه ولكن تيكى جرى أمامه وهو يثب بين الحراب المسمومة بخفة وجرى الفيل وراءه فاشتبكت فيه الحراب المسمومة وأصابته بجراح بالغة فزعق زعقات هائلة واقتحم طريقا متشابك الأشجار إلى وسط الغابة وأخذ تيكى يتواءب بين الأغصان حتى وصل إلى الرجال المنتظرين وكان زعيق الفيل يصل إلى آذانهم من وسط الغابة ولكنهم ظلوا فى أماكنهم حتى خفت صوته فعلموا أنه قد أنسم ومات فشقوا الطريق إليه بين أشجار الغابة لكى يطمئنوا إلى موته ثم عادوا إلى القرية وهم يحملون البطل الصغير تيكى على أعناقهم ويهللون فرحين. وصار تيكى منذ ذلك اليوم بطلا من أبطال القرية العظام!
 

التعليقات