صُنَّاع البهجة.. إعادة سرد تاريخ المتعة في مصر

صُنَّاع البهجة.. إعادة سرد تاريخ المتعة في مصر

هناك مقولة قديمة تقول: من السهل أن تُبكي، لكن من الصعب جدًا أن تُبهج.

لأن الإنسان درامي بطبعه، وبمجرد أن ترسم ملامح الحزن على وجهك، أو تُسقط دمعتين، أو تذكر له موقفًا حزينًا، يتوحَّد بك، ويدخل معك في "مود" الكآبة بلا حد أقصى، فيما البهجة تَحدٍ صعب بكل معنى الكلمة، لأنها محاولة لإزاحة تراث النكد وتفاصيل الحياة اليومية والمآسي والأفكار السوداء والملل وخدش الطبقة العميقة من المخاوف والأوهام والتوقعات السيئة، وصولا لرسم ابتسامة من القلب على شفاه لا تتوقع ذلك.

وفي كتابه الجديد "صُنّاع البهجة"، الصادر عن دار نشر أجيال، يرصد الكاتب الصحفي محمد توفيق، طائفة من أولياء الله الصالحين الذين احترفوا صناعة البهجة في حياة المصريين. 

وهو في سرده، ومحاولته رسم صورة حقيقية لهم –بضعفهم وقوتهم- مرة يقف خلفهم يشرح تاريخهم ويدافع عنهم، والظروف التي وضعتهم في هذه المكانة، ومرة أمامهم حاكيًا ما قدّموه للناس في جيلهم والأجيال التي تلته، ومرة إلى جوارهم متأملا بإعجاب، المنجزَ الكبيرَ الذي قدّموه، والذي بقي لليوم بعد أن رحل أغلبهم.

إنها رحلة ثرية في قلوب وعقول 50 شخصية من عالم الصحافة والأدب والفن والرياضة، اعتبرهم المصريون أُمنَاء على سعادتهم، فأسلموا لهم قيادهم، قلبًا وفكرًا وشعورًا، واعتمدوا عليهم في المهمة الأكثر صعوبة في العالم كله: إمدادهم بالقدرة على تحمُّل الحياة وإكمال الطريق الشاق.

في الفصل الأول من الكتاب، الذي يفتتحه توفيق بمقولة عبد السلام النابلسي "لقد خلقنا كي نضحك"، يتحدث الكاتب عن ملوك الكوميديا في الزمن الجميل: ماري منيب، وعبد الفتاح القصري وزينات صدقي، وعبد المنعم إبراهيم، وإسماعيل ياسين والنابلسي والضيف أحمد، مركزا على أهم "إيفيهاتهم" التي علقت بأذهان الناس، حتى دخلت في لغتهم اليومية، وأصبح مجرد تذكرها مدعاة للابتسام.

ويذكر توفيق القصة العجيبة لزواج ماري منيب، عندما كانت مسافرة بالقطار مع والدتها إلى الشام، ووقعت عيناها على شاب وسيم يجلس أمامها، نظر إليها، فأنشب كيوبيد سهمه في قلبيهما فورًا، وبعد قليل، استأذنت ماري من أمها وذهبت إلى دورة المياه، ثم عادت والشاب في يدها، وأخبرت أمها أنهما تزوَّجا!

فيما خصّص الفصل الثاني للحديث عن ملوك الطرب وأمراء القلوب والشعراء: محمد فوزي وفيروز ونزار قباني ونجاة وكامل الشناوي وصباح وماجدة الرومي. 

ومما ذكره توفيق مثلا عن فوزي، قصته مع الطفل الذي جاءه يومًا وقال له "أنا أحبك جدا، وأكتب أغاني أريدك أن تلحنها لي"، فربت فوزه رأسه وقال له: "لما تكبر وتبقى طويل.. تعالى لي وهلحن لك كل أغانيك"، وكبر الطفل الذي كان يردد "ماما زمانها جاية"، لكنه ترك كتابة الأغاني واشتغل بالتلحين، وذهب لفوزي مرة أخر ى، وذكَّره بنفسه، فتذكر ه، وقال له: أنا اسمي "حلمي بكر".

في الفصل الثالث، ينتقل توفيق إلى مستوى أعلى من الاشتباك مع البهجة، ويُذكِّرنا بالعمالقة: فؤاد المهندس وعادل إمام ومحمد عوض ويحيى الفخراني وسعاد حسني ومحمد خان ومحمد صبحي وسعيد صالح وسمير غانم.

ويذكر توفيق حكاية فؤاد المهندس، عندما سُئل إذا كان معه تذكرة مسرح واحدة فإلى أين يذهب، إلى مسرح محمد صبحي أم عادل إمام، فأجاب "بما أني كبرت على النصائح، فسوف أذهب لعادل إمام عشان أتبسط".

الفصل الرابع يُوقفك جنبا إلى جنب مع صلاح جاهين وحجازي وعمرو سليم وعمر طاهر وباسم يوسف وأكرم حسني، ويغوص بك في تفاصيل جديدة تكشف لك أن من يُميتون الناس من شدة الضحك، ربما يموتون من شدة البكاء!

يحكي توفيق قصة جاهين عندما علم بإصابة والده بالسرطان، فهرب واختفى ولم يعثر عليه أحد. عشرة أيام كاملة لم يعرف أحد عنه شيئا، حتى ذهبت أخته "بهيجة" لعبد الحليم حافظ، وقالت له، إن والده مريض ويريد رؤيته، فقال لها حليم: "سأتصرف"، وفي اليوم التالي، نشر إعلانا في الأهرام يقول فيه "ارجع يا صلاح.. أهلك بيدوروا عليك"، وبالفعل ظهر صلاح جاهين، الذي لم يكن يتحمل أن يرى أحدًا مريضًا فما بالك بوالده؟!

الفصل الخامس احتفاء بجيل غيَّر مفهوم الكوميديا، وطرح نفسه بقوة على الساحة، على رأسهم محمد هنيدي وعلاء ولي الدين ومحمد سعد وأشرف عبد الباقي وأحمد حلمي وماجد الكدواني وبيومي فؤاد.

ويسرد توفيق حكاية رفُض علاء ولي الدين أكثر من مرة في عالم التمثيل، لدرجة أن لجنة تحكيم معهد السينما قالت له نافدة الصبر: "يا ابني أنت لا تصلح أن تكون ممثلا، وزنك ثقيل وشكلك غير وسيم، من فضلك ابحث عن عمل آخر"، لكنه قاتل وصمم أن يفعل ما هو مقتنع به، ورغم رحيله في سن صغيره، فقد تمكَّن بالفعل من تحقيق ما رأى أنه قادر على فعله.

في الفصل السادس، ينتقل توفيق إلى نوع آخر من البهجة، بهجة الجري واللعب و"التنطيط"، ويصحبنا إلى رحاب الساحرة/الساخرة المستديرة، ليروي لنا حكايات محمود الخطيب وحسن شحاتة وأبو تريكة وحازم إمام وبيليه ورونالدو وثلاثي أضواء الملعب "شيكا وحفني وفتحي".

ويسرد توفيق قصة مؤثِّرة عن الخطيب، عندما كان مريضًا وحرارته مرتفعة، ومع ذلك أصرَّ على الجلوس في مقاعد البدلاء في مباراة نهائي كأس مصر عام 1978، وعندما تأزَّمت الأمور، وتقدم الأهلي على الزمالك بهدفين، قرر بيبو النزول إلى أرض الملعب، فقلب الطاولة وأحرز هدفًا، وفاز الأهلي بالبطولة بأربعة أهداف مقابل هدفين.

وختامه مسك مع الفصل السابع، إذ يقدِّم توفيق التحية لمُبهجي الكتابة، وصانعي الأجنحة للأفكار والكلمات، فيصحبنا إلى حضرة جليل البنداري وفؤاد حداد ومحمود السعدني ومحمد عفيفي وأحمد رجب وجلال عامر. 

يردُّ توفيق حقًا مُهدرًا لواحد من كُتّاب الكوميديا العظماء المجهولين: جلال البنداري مؤلف فيلم "الآنسة حنفي" لإسماعيل ياسين، ويحكي كيف أنه كان سليط اللسان، لدرجة أن الفنانين رفعوا عليه 80 قضية سب، انتهت بالصلح بعد أن اعتذر لهم عن شتائمه له، ويروي كيف قرر فريد شوقي يوما ضربه، لأنه كتب أن هدى سلطان تضرب فريد بالأطباق، ما هزَّ صورة وحش الشاشة، وجعله ينتظر لقاء البنداري ليعلّمه الأدب. وجرى أحمد رجب وجلال معوض على بيت البنداري ليمنعاه من لقاء فريد، لكنه أصر وذهب إليه بنفسه، وعندما التقاه ألقى "إيفيها" جعل فريد يقع من طوله من الضحك، ويسامحه.

صُنَّاع البهجة: مبهج، ومؤلفه محمد توفيق، صاحب "الغباء السياسي" و"مصر بتلعب" و"النحس" و"الخال" و"أولياء الكتابة الصالحون" و"أحمد رجب.. ضحكة مصر" و"أيام صلاح جاهين"، يواصل مسيرته في التأريخ للصحافة والكتابة المصرية، ما يضعه هو نفسه ضمن طائفة المبهجين الذين كتب عنهم، وفي الكتاب القادم الذي سيكتبه أحدهم يوما عمن يُسعدون الناس ويصنعون فارقا في حياتهم، أعتقد أن اسم محمد توفيق سيكون في أول القائمة.

شكرًا يا محمد.

التعليقات