ليسوا عَربًا

ليسوا عَربًا

خرج أمام الكاميرات التى كانت تنتظره فى بيته الأبيض، وقف خلف منصته الرئاسية بثبات مرتديًا رابطةِ عنقه بعد أن تخلى عن لونها المفضل لديه «الأحمر»، ليستبدله هذه المرة بـ«الأزرق»، اللون نفسه اختاره لرابطة عنقه نائبه مايك بينس، الذى وقف خلفه، وكأنهما كانا متفقين على توحيد اللون فى هذا اليوم.. نجمة داوود الزرقاء أيضا، كانت ترسمها الإضاءة على أسوار القدس وقتها فى انتظار الاحتفال بخبر سعيد، هكذا أرادها الإسرائيليون.. نظر للكاميرات وبكل ثقة وقالها: «آن الأوان أن نعترف رسميا أن القدس عاصمة لإسرائيل»، أنهى حديثه ثم تحرك ليجلس على كرسيه ووقع بقلمه الأسود وثيقة الاعتراف بالخط العريض، مطالبا وزارة خارجيته بنقل سفارة بلاده إلى مدينة الصلاة، ثم رفعها فى وجوهنا فخرا.

 

المشهد الأول

فى الغرفة المجاورة لمكتبه البيضاوى، عاد مع نائبه ليشربا نخب الوفاء لوعود لم يجرؤ غيره على تنفيذها لأبناء بنى صهيون، وقال له: «هنا أنا ذا أفعلها علنا أمام الجميع، لم أفعل مثل رؤساء بلدى السابقين وأعلن انحيازى الكامل لإسرائيل، لا أخشى فيكم رجلا».. سأله نائبه: «سيدى الرئيس أعلم أننا قدرنا الموقف جيدا قبل الإعلان، واخترنا الوقت المناسب لكن علينا الحذر من ردود الفعل العربية، التى بالتأكيد ستكون غاضبة من قرارنا هذا، وسيضغطون على حكامهم للتصعيد ضدنا».. سمع نائبه جيدا ونظر إليه قائلاً: «إذا كنت تعلم أننى عدوك وأننى عازم على قتلك ولم تفعل شيئا وأنت على قيد الحياة.. فهل من الممكن أن تفعل شيئا بعد أن أقتلك؟!»، رد عليه نائبه: «لا» فقال له: «عظيم ما رأيك أن نسمع موسيقى هادئة ونتلقى مكالمات الترحيب من تل أبيب».. ثم ضحك الاثنان بغرور -كان هذا المشهد الأول- فى رواية خجلَ كاتبها أن يضع لها عنوانًا، آملا أن يتغير شىء فى مشاهدها القادمة.

المشهد الثانى

 بينما كان «ترامب» -بطل المشهد الأول- يتلو خطابه، كان هو منصتًا جيدا لكلمته، يدونها بدقة فى سجلاته -بخط أشد غلظه من ذا الذى وقع به الأول وثيقته-: «إنه فى يوم السادس من ديسمبر عام 2017، وقف هذا الرجل الفاجر -يقصد ترامب- أمام الملايين من العرب والمسلمين، طاعنا فى نسب زهرة مدائنهم».

«القدس عاصمة إسرائيل».. قالها ترامب، وأبى  بطل المشهد الثانى «التاريخ» كتابتها، قبل أن يبحث عن أصلها فى سجلاته القديمة فى أبواب العرب، ليجد صفحة من العام 637م، بعنوان «المسلمون يفتحون القدس»، هنا تسلم عمر بن الخطاب مفاتيح القدس بعد فتحها وخطب فى أهلها قائلا: «لكم ما لنا وعليكم ما علينا»، ثم دعاة البطريك المستسلم «صفرونيوس» لتفقد كنيسة القيامة ولبى عمر الدعوة، وهناك أدركته الصلاة وقال عمر: «أين أصلى؟» فقال له البطريرك: «مكانك صل»،  ليرد عمر: «ما كان لعمر أن يصلى فى كنيسة فيأتى المسلمون من بعدى ويقولون هنا صلى عمر ويبنون عليه مسجدا»، وابتعد عمر نحو 500 متر متعمد، وفرش عباءته وصلى عليها، خشيةً على الكنسية... صمت التاريخ لحظات متأملا فى عظمة وأخلاق عمر، فى صفحاته القديمة، وحزنا على ما وصل إليه حال المسلمين فى صفحاته الجديدة.

عاد التاريخ للواقع بحثا عن شىء جديد لكتابته بعد توقيع ترامب وثيقة الاعتراف بالقدس، فلم يجد إلا بيانات شجب وإدانة، لا تصلح للكتابة فى سجلاته؛ فهو لا يكترث ببيانات الإدانة، فقرر العودة مجددا لتصفح سجلاته القديمة، ليجد صفحة أخرى فى عام 583 هجريا، حينما رفعت رايات السلطان صلاح الدين الصفراء فوق أسوار القدس، شهدت تلك الصفحة شهامة وعظمة السلطان المنتصر حتى مع أعدائه».

التاريخ ظل حائرًا بين مشاهد الماضى والحاضر، يسأل نفسه: «كيف تحولت تلك الأمة من العزة للهوان؟» وبينما كان التاريخ يبحث عن إجابة، كان الملايين من أبناء هذا الجيل من أمتنا العربية يتابعون المشهد الأول، ويتجرعون مرارة هذه اللحظة -توقيع ترامب الوثيقة- سألوا التاريخ: «هل ستسجلها بجوار أسمائنا؟»، جاوبهم: «نعم لكم ما لكم وعليكم ما عليكم.. ماذا أعددتم لهذا اليوم»، ثم دون التاريخ فى خانة الملاحظات: «أشهد أنه فى يوم السادس من ديسمبر من العام 2017، فعل هذا الأحمق فعلته آمنا.. أشهد أن هؤلاء ليسوا أحفاد عمر ولم يرثوا شيئا من صلاح الدين، ولا من صفحات المروءة والموت دون الأرض والدفاع عن النسب، هؤلاء ليسوا عربًا».

كتب التاريخ شهادته ثم قرأ نفسه بنفسه محاولا استيعاب ما كتب، ما زال هذا السؤال اللعين يطارده، كيف تحولت تلك الأمة من العزة إلى الهوان؟ وبينما كان يفتش فى سجلاته وجد الإجابة أمامه فى صفحات سوداء، فهنا صفحة بتاريخ الثانى من نوفمبر من العام 1917، منذ أن سمحت تلك الأمة بوعد «آرثر جيمس بلفور» لليهود بأن يكون لهم فى فلسطين وطن، فى صفحة أخرى سوداء، ذاقت تلك الأمة نكستها فى عام 1967 من عدوها، قبل أن تبدأ فى سلسلة الانتحار الذاتى منذ عام 2011 وحتى توقيع ترامب لوثيقته.

لاحظ التاريخ فى صفحاته الأخيرة قبل التوقيع حجم التردى الذى أصاب الأمة العربية، وهنا تفهم أن ترامب لم يجد توقيتا أفضل من ذلك لإعلان قراره، بعد أن انشغلت الأمة فى صراعتها، وأنهكنا خريفنا العربى بتبعاته، فها هم أهل سوريا مشردون خارج الديار، وها هى ليبيا محطة للإرهاب والدمار، وذلك اليمن يتألم بين حرب أهلية وصراع أدوار.. نظر التاريخ إلى أعيننا وأمعن النظر فيها، ثم بكى حزنا على بغداد ودمشق وطرابلس، بكى من أجل شهداء سيناء، وصنعاء، ولأجلك يا زهرة المدائن، فلم تعد تلك العيون قادرة على الرحيل إليكِ كل يوم.

المشهد الثالث        

       لم يُكتَب بعد .. لكنه آت !

التعليقات