شيرين عبد الوهاب..مطربة البلهارسيا والمياه الفرنسية

شيرين عبد الوهاب..مطربة البلهارسيا والمياه الفرنسية

- عاشت رحلة من القهر والاستغلال والإهانة.. وفقدت نفسها فى منتصف الطريق

ليس منكم من هو أكثر وطنية من «جاهين».. أو أقل سخطا من «شيرين»

لم تولد وفى فمها ملعقة من ذهب، ولكنها امتلكت حنجرة اثقلتها عذابات الفقر، فباحت بالشجن الذى شكل وجدانها، وقبل أن تشجى زملائها ومدرسيها طفلةً، فى صفوف وحفلات مدرسة سوق السلاح الابتدائية، يد معلم انتزعتها من بين أقرانها، ودفعت بـ«شيرين» لوالدتها المصرية الطيبة، وطلبت منها أن تذهب بها بعيدًا عن حوارى حى القلعة، أن تمنحها حياةً تليق بصوتها.

دارت بها الأم على أبواب أغلقت فى وجهها، لتغنى مرةً فى مركز شباب الحبانية، وترفع صوتها ضمن جوقة مولد ستنا فاطمة النبوية، ليتلقفها الدراويش بحب، تتسلل للأفراح الشعبية منساقة للموسيقى الصاخبة، تصعد بجرأة مطربة محترفة إلى خشبة مسرح وتطلب الغناء، تعيدها والدتها إلى حضنها مرةً أخرى، يدلها فاعل خير على كورال أطفال الأوبرا، تقف واثقة فى الصفوف، وسرعان ما يدفع بها المايسترو سليم سحاب للمقدمة، تغنى كما لم تغنى من قبل، ترتاح والدتها إلى ما وصلت إليه، ولكن الوقت يمر بطيئا وقاتلا، ولا تقوى على مصاريفها وما تتكلفه من جهد لرعايتها ومراقبتها، لتنتزعها من حلمها لعدة سنوات.

تكبر الطفلة وتتحول إلى مراهقة، تستعيد حلمها على استحياء، بعد أن وضعت أسرتها لها سقفا للأحلام، فهى لم تعد صغيرة، والأولى أن تتزوج من رجل يعولها، وقد يمنحها رفاهية أن تغنى له فى المنزل، تتمرد بالعودة إلى مسارح الأفراح الشعبية، تغنى هنا وهناك لتجنى عشرات الجنيهات، مع الوقت تصبح قاسما مشتركًا من بين أفراح أحياء القاهرة الفاطمية، يقنعها الآلاتية الذين يشاركونها العمل بضرورة البحث عن منتج كاسيت، ينصحونها بالحاج حنفى، كبير منتجى الأغنية الشعبية، لا يتحمس لها الحاج لأنه يرى ربحا أكثر فى المطربين الرجال.

تتخبط بين وكلاء فنانين ومكاتب تنظيم حفلات يسرقون قوتها، قبل أن تطرق باب المنتج نصر محروس، الذى يعجبه صوتها ولكنه لا يعدها بشىء، تتردد على مكتبه لسنوات، يذيقها من الإهانات المغلفة بوعود الشهرة الكثير، قبل أن يظهر رفيق رحلتها وصديقها اللدود «تامر» على أبواب الشركة، فلا ينال أكثر مما نالته من تسويف، يستمع إلى صوتها الهارب من أحد ألحان بليغ حمدى، التى تمزج الحزن والشجن بالإيقاع الراقص والروح الشعبية، يرى صوتها على رقته قويا، يطلب من «تامر» أن يغنى، فيرى صوته أضعف وأكثر استكانة.

تلمع الفكرة فى رأس محروس، ويجربها عليهما داخل الاستوديو، فيبدل الأدوار الغنائية بين الذكر والأنثى، ليمنح «شيرين» أغنيات قوية تتجاوز انكسار المطربات فى أغنيات الحب والهجر والخداع، إلى التمرد والمواجهة والتحدى للحبيب فى كثير منها، وينتهك رجولة «تامر» الذى لم يشفع له شعر صدره الذى سمى تيمنا به فى أوساط كارهيه، «شعر الصدر حسين»، ويمنحه أغنيات أنثوية مغرقة فى «السهوكة»، ليجد أخيرا ما يبيع به مطربين فى ألبوم واحد، «تامر وشيرين»، ورغم ان اسم تامر يسبقها، إلا أنها قفزت مرتفعة عليه بأغنية واحدة، «آه يا ليل»، التى ارتبط اسمها بـ«شيرين» لخمس سنوات لاحقة، وبفيديو كليب فقير تصدرت «شيرين» الساحة الغنائية منفردة، ولكنها لم تحصل على حقوقها المادية، مع العقود التى خنقها بها نصر محروس، البارع فى احتكار كل من يقترب منه، شاركت فى فيلم ضعيف لأحمد حلمى، زاد من شعبيتها كثيرا، أنتج لها نصر محروس الألبوم الثانى «لازم أعيش»، وتجاهل «تامر» الذى لم يحقق له ما أراده منه، شعرت شيرين بنجاحها وتألقها كمطربة، زادت حفلاتها وسافرت فى جولات غنائية خارج مصر، ومن جديد قررت التمرد لأنها أصبحت أكبر من الإهانات والحصار الذى يفرضه منتجها عليها.

«شيرين» منذ هذه اللحظة لم تعد ابنة القلعة البسيطة، تحولت إلى امرأة ناضجة تنهشها التطلعات، ترى فى صوتها درجات سلم تصعده لتعوض كل ما فاتها، تفعل ما عليها فعله لتعيش، لا حدود تفرضها على نفسها لأنها سأمت كل القيود التى أدمتها على مدار سنوات عمرها، كرهت كل من استغلوها من المصريين، فارتمت فى أحضان اللبنانيين الذين علموها كيف تعيش متعتها بلا تكلف، فهم شعب يحب الحياة، انجرفت إلى حد الجنون، عانت حالة من الفصام بين ما كانت عليه سابقا، وما آل إليه حالها الآن، بكت وحيدة لأنها لم تعد تعرف نفسها، انتفضت لأنها تعيش قصة حب بعد زواج لم يدم، ولا تستطيع أن تتوج هذا الحب إلا باستمرار الصداقة دون زيادة، نهشتها الأقلام المصرية حقدا على ارتمائها على الصفحات اللبنانية، تربص الجميع بها حتى أعلنت سخطها حتى على النيل الذى لم تشرب منه سوى مرار أيامها، تبدو كمخمورة فى كل عاصفة تثيرها دون كأس، الآن علينا جميعا أن نعترف أنها ضحية، وعلينا أن ننصحها بالغناء ولا شىء أكثر، وعلينا أن نقبل اعتذارها بلا مزايدات على وطن لم يعد موجودا سوى على مواقع السوشيال ميديا، فشيرين التى أعلنت سخطها على النيل وطلبت استبداله بالمياه الفرنسية، تعيش مأساة بطل مهزوم، فما حققته لم يعد إليها نفسها، فهى مريضة تحتاج إلى علاج نفسى سريع، لأن الاعتزال لن يكون خطوتها الجديدة، ولكن قد يكون الانتحار هو الأقرب إلى هذا القلب المثقل بالهموم، وشخصيا لا أرى فيما فعلته بطولة، وأعتبرها حمقاء لا يجب أن تفتح فمها إلا لتغنى، ولكنى لا أتحمل ذنب جلدها قصاصا لوطن لا نكتشف أننا نحبه إلا إذا قابلنا من يكرهه أو يتجنى عليه، ولنا فى كلمات صلاح جاهين الشهيرة فى «على اسم مصر»، عبرة لم يريد أن يعتبر، «أحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء.. واكرهها وألعن أبوها بعشق زى الداء»، فهل منكم من هو أكثر وطنية من جاهين، أو أقل سخطا من «شيرين»؟، لا أعتقد ذلك.

التعليقات