ما الذى يريده عادل أديب من السينما؟!

ما الذى يريده عادل أديب من السينما؟!

ما الذى يريده عادل أديب؟، سؤال راودنى على مدار الأيام السابقة، منذ أطلق مبادرته بتشكيل ورشة لصياغة مستقبل السينما المصرية، وغيرها من روافد الفن المصرى، متكئًا على وعود تليفزيونية أطلقتها السيدة فايزة أبو النجا، مستشارة الرئيس للأمن القومى، فى حلقة للإعلامى أسامة كمال، وهى ليست المرة الأولى التى تطلق فيها مثل هذه الوعود بهذا الشأن، ليصوغ بيان جبهة الإنقاذ التى تشكلت منه منفردا، باستثناء الأب بطرس دانيال، مدير المركز الكاثوليكى للسينما، الذى تحمس كعادته كرجلٍ طيب يحب الإعلام بقدر ما يحب السينما، لاستضافة الورشة التى أعلن عنها عادل أديب لإنقاذ السينما والمسرح والدراما التليفزيونية والفنون التشكيلية والإذاعة والتليفزيون، وإمعانا فى إضفاء أهمية على المبادرة التى أطلقها وحملت اسم والده شيخ كتاب السيناريو، العظيم عبد الحى أديب، أضاف إليها فنون الشعر والرواية والنقد الأدبى والفنى، داعيا وسائل الإعلام جمعاء لتغطية الحدث البارز، الذى أكد دعوة خبراء عالميين للمشاركة فيه، والتعرف على تجاربهم السرية فى إنجاح صناعة السينما وغيرها من الفنون.

ولا أنكر أن مبادرة المخرج عادل أديب، نكأت جرحا لن يلتئم أبدا، لا لشىء، إلا لأنها ستذهب أدراج الرياح، وتتحول كغيرها إلى ضجيج بلا طحن، ولن نتحصل منها إلا على مساحة من الجدل المنشور، ليحظى المشاركون فيها بأخبار متناثرة عبر الصحف والمواقع الإلكترونية، وهذا ليس تقليلاً من قيمة المطروح، ولكن لأن كل المبادرات التى أطلقت بما فيها مبادرة عادل اديب، بمثابة تفسير الماء بعد الجهد بالماء، فكل ما ذكره يعلمه القاصى والدانى، واللجوء إلى الدولة كمنقذ لم يعد قبلة للسينمائيين، لأن الصناعة تيتمت منذ إغلاق مؤسسة السينما فى مطلع السبعينيات من القرن الماضى، وسرعان ما تحولت إلى صناعة لقيطة، ينهش فى جسدها المارة على أرصفة الوطن، حتى إن الدولة شاركت فى جريمة بيع أصول السينما المصرية، ليشارك سماسرة من صناع السينما الذين يجلسون الآن على الموائد المستديرة لإصلاح حالها، فى نزع الجنسية المصرية عن «نيجاتيف» أفلام عظماء الأبيض والأسود، لترتدى أفلامنا «العقال»، وتتعرض لنهش مشاهد لا يرضى عنها «الكفيل» الخليجى.

السينما يا سادة ضحيتكم أنتم، ضحية الاحتكار الذى تغاضت عنه الدولة ليصبح المنتج هو الموزع وهو أيضا صاحب دار العرض، وبالتالى يتحكم فى نوعية الأعمال المعروضة، ويملك بماله إغلاق شركات إنتاج صغيرة، لأنه يراهن على الحصان الرابح من النجوم، وكل الخبراء الذين ينوى عادل أديب استيرادهم، سيؤكدون أن قانونهم يجرم هذا الفعل، وهو يعلم هذا جيدا، كما أنه لم يبرئ نفسه من جريمة الاحتكار، بعد دخوله مجال الإنتاج السينمائى، كعضو منتدب لشركة «جود نيوز»، التى خربت منظومة الأجور بمضاعفاتها، وراهنت على نجوم شباك التذاكر سعيًا وراء الإيرادات، لا الجوانب الفنية التى يدعو إليها الآن، فعادل أديب نفسه ضاعف أجور عادل إمام وأحمد السقا وغيرهم، وأجرم فى حق العظيم أحمد زكى بدفعه لفيلم «حليم» رغم مرضه الشديد، الذى مات قبل أن يكمله، فاستغلت الشركة ابنه الوحيد هيثم زكى لإكمال ما بدأه والده، ليظلموه كممثل يقف أمام الكاميرا للمرة الأولى حرصا على ما تم إنفاقه من ملايين، وقبيل نهاية الشركة إنتاجيا حاصرت باقى الشركات بمبادرة مشابهة، استحوذت خلالها بالتعاون مع جبهة الثلاثى «النصر» و«أوسكار» و«الماسة»، على سوق التوزيع الخارجى، بتوقيع بروتوكول مع هشام الغانم وقنوات «art»، التى كانت المستهلك الأول للفيلم المصرى، فى محاولة لتصفية المنتجة إسعاد يونس مالكة الشركة العربية، وغيرها من المنتجين الأفراد، خاصة أن السينما المصرية منذ الثمانينيات وحتى الآن، لا تربح إلا من التوزيع الخارجى فى الدول العربية، سواء بالفيديو كاسيت أو الأقراص المدمجة ثم العروض الفضائية والتليفزيونية.

السينما يا سادة ضحية جشع جهات الإنتاج والتوزيع، التى يجب أن تتحكم فيهم غرفة صناعة السينما لوضع الخطط التى ينادى بها عادل أديب، ولكن لأنهم من يشكلون هذه الغرفة المظلمة، لا ينحازون إلا إلى مصالحهم الخاصة، فإذا توقف التوزيع الخارجى لا يبحثون عن أسواق بديلة، لأنها لن تمنحهم دفعات مقدمة، أو تشترى منهم الأفلام بأموال طائلة مقابل التنازل عن النيجاتيف، فى جريمة تفريط ممتدة ومتوغلة فى ثقافة جهات الإنتاج المحلية، دون حراك من الدولة للحفاظ على تاريخها الذى توثقه السينما، ليعوضوا خسارتهم خارجيا بوقف الإنتاج السينمائى إلا قليلا، والاستعانة بنسخ الأفلام الأجنبية التى لم تكن تزيد على 6 نسخ للفيلم الواحد قبل عدة سنوات، لحماية الفيلم المصرى وضمان تسويقه، وتحقيقه لإيرادات تدفع صناعة السينما، ولكن المصالح الشخصية هى الأهم، ولتذهب السينما إلى الجحيم، ليحرص صناعها على طلب زيادة نسخ الأفلام الأجنبية، وتستجيب وزارة الثقافة لمطالبهم بلا وعى، ليأتوا فى العام التالى مهرولين إلى الجالس على كرسى الوزارة، ويطالبوه بزيادة جديدة وهكذا، حتى تضاعف عدد النسخ الأجنبية فى دور العرض السينمائى، ولا عزاء للفيلم المصرى.

السينما يا سادة ضحيتكم أنتم الطغاة، الذين قهروا من يمنحهم المال بأفلام أغلبها لا يثمن ولا يغنى من جوع، كما قهروا صغار المنتجين سواء من المستقلين إن جاز التعبير، أو من الذين باعوا كل ما يملكون فى سبيل إنتاج فيلم واحد يعبر عنهم، السينما يا سادة ضحية المستفيدين منها، والذين لم يسهموا فى ترسيخ ثقافة سينمائية لدى المشاهد البسيط، منذ عودة الروح لدور العرض مع جيل هنيدى، وعلاء ولى الدين، لتبقى السينما بالنسبة لشريحة عريضة من المصريين مجرد «خروجة»، تنتعش فى الأعياد والمواسم، وأوقات «التزويغ» من المدارس، ولا تسهم فى الارتقاء بعقلية وذائقة من يرتادونها، فالجميع انتزع الجنيهات من جيوب الصغار فى الداخل، وباع تاريخه السينمائى -إلا قليلا- مقابل دولارات الخارج، ولم يفكر أى منهم فى منح السينما جزءًا مما منحته إياه بمساندتها فى أزمتها، أو بزيادة إيراداتها وانتعاشها بفتح دور عرض جديدة خاصة فى المحافظات، فـ«السبوبة» فى العاصمة والمدن الكبيرة، لأن كثيرا من المنتجين تحولوا إلى مندوبى مبيعات، هؤلاء الذين يروجون بضائعهم الفاسدة وسط زحام المترو، أو بين مقاعد المقاهى.

وفى النهاية أستعير من بيان المخرج عادل أديب عبارة «نحن لن نعيد اختراع العجلة»، فإذا أردت توفير العناء على نفسك وعلى السينما المصرية المنهكة بالفعل، تقدم إلى القضاء المصرى بدعوى لإنهاء الممارسات الاحتكارية، وتخلَّ عن دور العرض أو تخلص من تراخيص الإنتاج والتوزيع فى «جود نيوز»، وطالب بتطبيق القانون على رقاب الجميع، وإذا أردت أن توفر على السينما العناء، توجه إلى غرفة صناعة السينما، وطالب أعضاءها بالإضراب العام حتى تتحرك الدولة لتجريم القرصنة الإلكترونية والفضائية، وقاضِ من سمحوا لقنوات «توك توك»، و«شنبو» و«الأسطورة» بتكبيد الصناعة والدولة خلال العقد الأخير، خسائر تكفى لسداد ديون مصر، أو على الأقل طالب الدولة بتحمل مسئولياتها وإغلاق باقة القمر الفرنسى «يوتلسات»، التى تحمل ترددات هذه القنوات، أو حتى شرائها بالكامل وإعادة طرحها، لحماية صناعة وطنية يمكنها أن تدر على هذا الوطن مليارات الدولارات.

ومع كل ما سبق ما زلت متمسكا بسؤالى إليك، ما الذى تريده بالضبط؟ وهل توقفك عن الإنتاج ثم الإخراج كان سببا فى اللجوء إلى مبادرتك الخاوية؟ وهل تعتقد أنت ومن معك فى الخندق نفسه أن الدولة لا تدرك حقيقة ما يجرى فى غرفتكم المظلمة، لا يا سيدى، فالدولة ليس لها آذان فى غرفة السينما، ولكنْ لها ممثلون رسميون فى هذه الغرفة، يستمعون إلى كل هذا الهراء، ويجارونكم واثقين من عدم إيمانكم بقضية السينما، بقدر إيمانكم بكل ما يرفع أصفار حساباتكم المصرفية، السينما يا سادة لا تحتاج إلا إلى المخلصين، ولن أنصب نفسى حكما أو أتدخل فى نياتكم، ولكنكم ستبقون هائمين بأطماعكم كقوم موسى، ولن يحرر هذه الأرض الخراب، إلا جيل يأتى من بعدكم، يؤمن بقدسية السينما المصرية.

التعليقات