جيل يخرج من دائرة النسيان

8/7/2019 2:05:34 PM
823
كتاب اليوم الجديد

هيثم الشيخ


عاش جيل كامل من شباب مصر لسنوات طويلة فى دائرة النسيان، لم تشهد مصر منذ فترات طويلة ظهور مدارس سياسية وطنية تهتم بمنح مساحات مناسبة للشباب، خرج شباب هذا الجيل فى وقت عانت به مصر خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى من أفكار قوى الظلام، التى خرجت متخفية بشئ من المواءمة السياسية، مع نظام لم يُدرك مدى خطورتها، لتحاول نشر نفوذها داخل المجتمع متخفية وراء عباءة الدين.

فى أواخر القرن ذاته، ظهرت محاولات أخرى للعبث بوعى الشباب المصرى، لكنها هذه المرة كانت مدعومة من الخارج لنشر أفكار مستوردة ليس لها علاقة بالمجتمع المصرى، هدفها التشكيك فى كل شئ، هكذا عمل المال السياسى المستورد فى مصر، عَبْر بعض المنظمات التى تخفَّت تحت شعار المجتمع المدنى.

لم تُنفق هذه الأموال يوما على مناقشة تطوير آليات منظومة التعليم أو الصحة، لكنها تظهر كلما وجدت دائما كلمة أقليات أو تهميش أو قضايا مثيرة للجدل مثل مناقشة قانون التظاهر وغيرها. وبين خيانة قوى الظلام، وعمالة مندوبى المال السياسى المستورد، مع غياب مدارس حقيقية لتشكيل الوعى الوطنى والفكر السياسى، حدث ما كان متوقعا حدوثه.

مرَّ هذا الجيل بموجات عاتية من الحراك الاجتماعى، ربما سيحتاج التاريخ للكثير من الوقت لاستيعابها، عاقبته قوى الظلام، عقب ثورته عليها، بمحاولة فرض الفوضى عليه، تلك التى جعلت الكثير من شباب الدول الأخرى إما وقودا لها أو أحد ضحاياها، لكن هذا لم يحدث لشباب الوطن الذين رفضوا هذا النموذج، وشاركوا بكل قوة فى إنقاذ الدولة المصرية .

30 يونيو 2013، التاريخ الذى بدأت فيه مصر بشكل حقيقى فى التخلص من تلك القوى الظلامية بيد جيشها وأهلها وفى قلبهم الشباب، تحمّل هذا الجيل تبعات تلك الثورة، من صعوبات اقتصادية فرضتها العديد من المؤجلات من القرارات التى لم تُتخذ من قَبْل ليدفع هو ثمنها، لكن لم تجد مصر من أبنائها إلا الوعى الكامل بأهمية إجراءات الإصلاح الاقتصادى وتفهمها.

أدركت الدولة المصرية الرسالة وهى أنه "آن لهذا الجيل من الشباب أن يخرج من دائرة النسيان"، وأن أحد أهم أسباب ضعف تماسك الدول هو العبث بوعى شبابها بشتى الطرق، سواء كانت بالمال السياسى أو بنشر أفكار الظلام، وأن الحفاظ على وعى الشباب وتأهيلهم لتولى المناصب التنفيذية والسياسية أحد أهم محددات السيادة الوطنية لدولة ترغب بقوة فى إعداد جيل جديد قادر على تحمل المسؤولية.

ردَّت مصر الجميل لشبابها بشكل مبهر، وحرصت على إنشاء العديد من المشروعات القومية التى تسببت فى تراجع نسب البطالة من 13% إلى نحو 8%، خصصت الدولة الآلاف من وحدات الإسكان الاجتماعى للشباب، وصدر قرار بزيادة الحد الأدنى للأجور، وبالتوازى مع تلك الجهود، كان الحرص الأكبر على عدم تكرار أخطاء الماضى، وعدم تهميش هذا الجيل مجددا، فكان حرص الرئيس بنفسه على تنظيم مؤتمرات الشباب، والتى بدأت فى مدينة السلام بشرم الشيخ، وانتهت نسختها السابعة فى مدينة البناء العاصمة الإدارية الجديدة، ليرى الشباب بنفسه كيف يشيّد وطنه من جديد.

حرص الرئيس على منح وقته للشباب، فشاركهم فى المناقشات المختلفة خلال المنتدى، وقدمت مصر نموذجا متحضرا للعالم فى جلسة محاكاة الدولة المصرية، الذى شهد حضور رئيس الجمهورية ونخبة جمعت ممثلين من شباب البرنامج الرئاسى، وتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، على مائدة واحدة، مع رئيس الوزراء وعدد من وزراء الحكومة المصرية، بهدف مناقشة عدد من القضايا وتدريب الشباب على كيفية إدارة الدولة، ولاحظ الجميع مدى حرص الرئيس على منح مساحات أكبر للشباب للتعبير عن آرائهم خلال تلك الجلسة وغيرها من الجلسات.

تحوّلت توصيات كل مؤتمرات الشباب إلى قرارات، بداية من تشكيل لجنة لمراجعة موقف بعض الشباب المحبوسين، مرورا بتأسيس الأكاديمية المصرية لتدريب وتأهيل الشباب، وتنظيم منتدى شباب العالم، ومنتدى الشباب العربى الإفريقى.

أبهر تنظيم تلك المؤتمرات ضيوف الوطن من شباب العالم، فلم يترك شباب البرنامج الرئاسى الذين شاركوا فى التنظيم أى شئ للصدفة، بداية من استقبال ضيوف الوطن من المطارات، مرورا بالإعداد المتميز لمحاور الجلسات والمتحدثين، والأفلام التسجيلية المتميزة، والإبهار الصوتى والبصرى، والأغانى الخاصة بالمنتدى، ودقة التوقيتات والتنقلات وغيرها من التفاصيل، التى جعلت تلك المؤتمرات إحدى أهم مظاهر تحضر الدولة المصرية الحديثة.

كما أضاف تكريم العديد من النماذج الشبابية المتميزة خلال تلك مؤتمرات الشباب قيمة أخرى لها، فقدمت للمصريين العديد من النماذج الشبابية المتميزة التى لم يكن أحد يعرفها من قبل، ليجدوا التكريم اللائق من رئيس الدولة بنفسه، وشمل التكريم المتميزين فى كل المجالات الإنسانية والعلمية والاجتماعية والفنية والرياضية، وكان آخرهم تكريم منتخب شباب كرة اليد.  

ربما تمنَّى معظم شباب الوطن المشاركة فى تلك المؤتمرات المتميزة، لكن لا يوجد قاعة فى العالم تستطيع أن تستوعب ملايين من الشباب، والحقيقة أن بثَّ جلسات المؤتمرات الشبابية على الهواء بشكل مباشر، وخاصة جلسة "اسأل الرئيس"، التى يتحدث فيها الرئيس السيسى بكل صراحة فى مختلف القضايا التى تهم الوطن، ساهم فى توصيل رسائل تلك المؤتمرات إلى معظم شباب مصر.

عوضت مصر أبناءها عن سنين النسيان، وهى تدرك أنهم مازالوا فى حاجة إلى الكثير من الاهتمام والرعاية، ومازالوا أيضا يتحملون العديد من الضغوط التى فرضها القدر عليهم، وسيظل رهان مصر على شبابها ناجحا، فلم تلجأ يوما إلى أبنائها، إلا وكانوا جاهزين لفدائها بأرواحهم.

 

كاتب المقال

هيثم الشيخ

رئيس تحرير جورنال اليوم الجديد 

اليوم الجديد