سوق خضار الثانوية العامة

7/28/2019 8:15:50 PM
870
كتاب اليوم الجديد

حسام الأشقر


 

نعيش الآن موسما يتكرر كل عام، بعد ظهور نتيجة الثانوية العامة. انتهى عام من الكفاح الدراسى والطوارىء الأسرية من أجل حصد أكبر الدرجات والالتحاق بالكلية المرغوبة. وبتأمل ما يجرى الآن فى مكتب التنسيق، يمكننا رصد كثير من المشاهدات التى تحيط بالحالة الراهنة، وعلى رأسها تصنيف كليات القمة وكليات القاع، والذى يتمخض عنه عادة فريقان من الساخطين والفائزين, السعداء والتعساء, وكثيرا ما نتج عن ذلك عديد من حوادث الانتحار وفقدان الثقة.

إن ثقافة المجتمع لاتزال تعيش أساطيرا عفى عليها الزمن، تمثل موروثات أثقلت كاهل أبنائنا وأسرنا، فالأب لا يريد لأولاده إلا كليات «القمة»؛ ظنا منه أنه بذلك قد حقق ما يريد، وأنه قد سمى به إلى طبقات الرقى الاجتماعى، بصرف النظر عما إذا كان الطالب يهوى ويريد مايدرس أم لا؟! والأمثلة متعددة عن أبناء أحرزوا أعلى الدرجات والتحقوا بكليات «القمة» المزعومة، وما حصدوا منها إلا الفشل وضياع السنوات، وانتهت الأمور بتحويلهم الى تخصصات أخرى كانت أجدر بالاختيار.

ولاندرى من أتى بذلك التصنيف البغيض, وعلى أى أساس أصبحت تلك الكلية فى القمة والأخرى فى القاع؟! إن ذلك التصنيف يشبه تماما حلقة خضار أو أسماك، يرتفع السعر أحيانا لأصناف بعينها وينخفض لأصناف أخرى حسب العرض والطلب، بصرف النظر عن النوعية ومدى صلاحيتها.  فكلية الحقوق كانت يوما ما هى كلية القمة ثم توالت التصنيفات عبر السنوات حتى آلت إلى ما آلت إليه الآن. فما نشهده الآن هو سوق عكاظ للثانوية العامة, فلا اختيارات على أساس قوى ولا رؤية واضحة ولا تخطيط مسبق, فقط الصدفة وضغط الأسر والتفاخر فيما بيننا هو المحرك الأهم والأقوى.

ومن هنا كان لزاما تغيير النظام التعليمى الراهن القائم على تلقين وحفظ المناهج الدراسية إلى نظام آخر يستطيع القيام بعملية التقييم الصحيح، ويعطى لأبنائنا فرصة أفضل لاكتشاف نقاط القوة والضعف لديهم, ويمنحهم القدرة على الاختيار الصحيح للتخصصات التى يتفوقون ويبدعون فيها, ويجعل من الثانوية العامة عاما دراسيا عاديا كغيره من الأعوام، بعيدا عن التوتر والحشد المعلوماتى والطوارىء الأسرية والإنفاق ببذخ، والحقيقه أنه لا يوجد علم قاع وعلم قمة إلا لدينا. 

ومن هنا تناثرت المخاوف وظهرت المقاومة لهذا النظام الجديد من جهات شتى؛ أولياء الأمور لا يطمئنون إلا بحفظ أبنائهم لما يدرسون، حيث أن الحفظ لديهم هو بر الأمان الذى يضمن لهم اجتياز اختباراتهم, وفئة السادة المعلمين يقاومون أيضا خوفا على عروشهم من الضياع, والطلاب والطالبات لا يأمنون لاختبارات ومناهج قائمة على الفهم والتحليل وإبداء الرأى. ومن هنا نستطيع تفهم ماحدث فى اختبارات الصف الأول الثانوى, لكن بكل تأكيد ستأتى التجربة بثمارها، وسيصبح الأمر معتادا وأكثر فاعلية.

فى نفس الوقت يجب تغيير أسلوب الاختبارات ليتوافق مع الهدف الأسمى للتغيير، حتى يتوفر لدينا جيل قادر على اتخاذ القرار والتحليل وعقد المقارنات، بمعزلٍ عن حفظ المعلومة والإلقاء بها فى الورقة الامتحانية ونسيانها على أبواب اللجان. وما علينا الآن إلا توفير البيئة المناسبة لأبنائنا لاختيار ما يناسب قدراتهم وأهوائهم وترك المساحة لهم لتقرير مصيرهم القادم. فلا طائل من ضياع سنوات للتجربة أو الفشل. 

 

كاتب المقال

حسام الأشقر

اليوم الجديد