كشكش بك

7/17/2019 9:32:10 PM
1218
كتاب اليوم الجديد

عماد خلاف


عاش نجيب الريحاني أيامًا عصيبة كغيره من ملوك الكوميديا في الوطن العربي، ما بين البدايات والنهايات حكايات ومواقف كثيرة تروي عن أحد الرواد الأوائل الذي أجبره الجمهور على أن يكون ممثلًا كوميديًا، مع أنه كان يعشق الدراما، بالإضافة إلى احتقار والدته له كممثل، إلى أن غيرت رأيها في النهاية عندما كانت تستقل المترو عائدة إلى منزلها في مصر الجديدة، وسمعت أناس يتحدثون عن ابنها نجيب الريحاني، ويثنون عليه ويشيدون بفنه الرائع، وما أن سمعت الإشادة، وقفت في وسط عربة المترو واتجهت إلى المتكلمين وقالت بأعلى صوتها، الراجل اللي بتتكلموا عنه ده يبقي ابني، أنا والدة نجيب الريحاني الممثل، ويصف الريحاني هذا المشهد في مذكراته قائلا: أمي التي كانت تأنف أن أوصم بالممثل، هي التي جاءتني إلى تياترو "الإجيسياية" خصيصًا لمشاهدتي فكان هذا اليوم من أسعد، إن لم يكن أسعد أيام حياتي.

حتى أن بديع خيري الصديق الوفي له قال إن نجيب الريحاني كان يحترم فنه ويعتكف في غرفته في المسرح قبل الخروج إلى خشبة المسرح ساعة كاملة وأكثر، وأنه في عام 1942 كان الدكتور روزات قد نصحه بالابتعاد عن المسرح ستة أشهر حرصًا على صحته إلا أن الريحاني قال مقولته: خير لي أن أقضي نحبي فوق المسرح من أن أموت على فراشي.

وشخصية "كشكش بك" عمدة كفر البلاص، حكاية يرويها نجيب الريحاني في مذكراته مؤكدًا أنها خيال، واصفا لحظة ابتكارها عندما كان نائمًا ليرى بعينه شخصًا يرتدي الجبة والقفطان وعلي رأسه عمامة ريفية كبيرة، ليستيقظ من نومه، ويقوم الريحاني بإدخال بعض التعديلات على الشخصية، لتصبح عبارة عن عمدة من الريف يأتي إلى القاهرة ويحمل معه الكثير من المال وتلتف حوله النساء الحسناوات ليضيع ماله عليهن، وما أن تمخضت الشخصية واكتملت في ذهن الريحاني حتى ذهب بها إلي الخواجة "روزاتي" صاحب ملهي "الابيه دي روز" الذي كان على وشك الإفلاس وإغلاق الملهي، ويرجوه الريحاني أن يؤجل الغلق أيامًا قليلة حتى يقوم بعرض الشخصية على المسرح وبالفعل كانت أولى الروايات "كشكش بك"، وكانت عبارة عن اسكتش فكاهي لمدة عشرين دقيقة وجعل اسم الرواية "تعالي لي يا بطة" وبالفعل نجحت شخصية كشكش بك، وارتفع أجر الريحاني من 40 قرشًا إلى سبعة وعشرين جنيها في الشهر، وظلت تقدم على خشبة المسرح لمدة ثلاث شهور كاملة، إلى أن طالب الريحاني بزيادة أجره مرة ثالثة ولكن صاحب الملهي رفض، وانتقل الريحاني إلى مسرح "الرينسانس" وكان صاحبه الخواجة "ديموكنجس"، فما كان من صاحب الملهي الأول الذي ظهرت عنده شخصية كشكش بك إلا أن رفع دعوى قضائية، يطالب فيها الريحاني بتعويض ألف جنيه باعتباره صاحب الملهي الذي ابتكر اسم كشكش بك، ولكن القاضي قضى برفض الدعوى وإلزام المسيو روزاتي بدفع مائة جنيه، بالإضافة إلى تسجيل اسم كشكش بك للريحاني كأول مبتكر له وأول مؤلف استعمله، وتألفت الفرقة من أمين صدقي، ونجيب الريحاني، واستيفان روستي وعبد اللطيف المصري، وأنضم إليهم عبد اللطيف جمجوم، وبالفعل بدأت البروفات الأولى في اختيار اسم للنص المسرحي الذي سيقدم على مسرح الرينسانس، واتفق أعضاء الفرقة على أن يكون الاسم أداة لإغاظة المسيو روزاتي الذي رفع الدعوى القضائية وسميت بـ "أبقى قابليني" وبهذه التسمية كانت بداية  لشكل جديد من الكوميديا وهو عبارة عن "التأويز والتريقة" على الغير واستعمال اصطلاحات وأمثال شتى ليذهب بها الخصوم إلى تفسيرها بأشكال عديدة، وبعد فترة تم اختيار اسم جديد لعرض مسرحي آخر وكان بعنوان "كشكش بك في باريس"، وأصبح اسم كشكش بك مشهورًا جدًا في القصور والميادين والأزقة والحواري والقرى في كل ربوع مصر، حتى جاء النص المسرحي الأخير بعنوان "وصية كشكش" ليسدل الستار على شخصية ابتكرها نجيب الريحاني، وأضاف عليها لتصبح حديث الناس لفترة طويلة.

كاتب المقال

عماد خلاف

صحفي بجريدة وموقع اليوم الجديد

اليوم الجديد