دكتور أمراض نسا

7/17/2019 8:56:21 PM
1576
قراء اليوم الجديد

فوزية عبيد


 

وقفت الفتاة على رصيف المحطة لانتظار القطار الذي تستقله أسبوعيًا في رحلتها إلى القاهرة، وسرعان ما أتى القطار وبدأت الرحلة التي تستغرق حوالي ثلاث ساعات تدفن فيها رأسها بين صفحات الكتب والجرائد.

وأخرجت الفتاة الجورنال من الحقيبة ولكنها وجدت الصحيفة كلها بيضاء بلا صور ولا عناوين ولا أخبار.. فقد سالت روحها بالنغمات العذبة الرقيقة التي ملأت نفسها طربًا .. لم تكن نغمات لشاعر يعزف على الجيتار.. ولكنها كانت لشاب يتحدث مع أصدقائه في القضايا السياسية، ذلك الصوت الدافئ الذي اخترق أذن الفتاة وتسلل داخل نفسها وصرفها حتى عن مضمون الحديث ذاته.

لم تستطع رؤية مصدر الصوت، نظرًا للازدحام الشديد، وبدأت تتخيل صاحب الصوت، ولكن رغبتها في سماعه منعتها عن التخيل، وعزيت نفسها برؤيته عند النزول ولكنها لم تتمكن من ذلك بسبب الزحام.

أخذت تسير على غير هدى حتى وصلت إلى البيت ولم يعد أي شيء كما كان فأصبحت تائهة الفكر دائبة الصمت شاردة النظرات، تفكر في صاحب الصوت وتتساءل.. هل الأذن تعشق قبل العين أحيانًا؟

مر أسبوع، وجاء موعد السفر وسارت في الطريق المؤدي إلى المحطة، ولأول مرة تجد الشارع طويلًا وبلا نهاية.. ركبت الفتاة القطار وأخذت تبحث عن مصدر الصوت الذي لم تراه عينيها من قبل، وأخذت تنتقل من عربة إلى أخرى، وتتساءل هل أجده أم أنه كان مجرد حلمًا عابرًا؟ ولم تصدق نفسها عندما سمعت الصوت يأتي من نهاية العربة ينادي على أحد أصدقائه، فساقاتها قدماها إلى حيث ينبعث الصوت، وكلما ازداد الصوت وضوحًا ازداد نفوذًا إلى قلب الفتاة وتأثيرًا في نفسها.

وأخيرًا، وقعت عينيها على صاحب الصوت، فقد كان فتى في ريعان شبابه ذو وجه طفولي برئ، يرتدي هندامًا بسيطًا، فكان انطباع الفتاة الأول عنه أنه شاب بائس يحتاج إلى المساعدة وهي تحب الشباب "البسيط المكافح".

طلب منه صديقه أن يعطيه رقم هاتفه، الذي حفظته الفتاة عن ظهر قلب؛ وأطلقت العنان لخيالها وأخذت تفكر في حياة هذا الشباب وكيف يعيش؟ وتخيلت يوم أن يأتي إليها هذا الفارس وتقدم كل التنازلات من أجل ألا يغيب هذا الصوت عن أذنها مرة أخرى.

منعها شرود ذهنها من رؤية نظرات الفتى التي كانت موجهة نحوها طوال الطريق، ونزل أصدقاؤه في المحطة قبل الأخيرة وانطلق القطار.. وكانت المفاجأة عندما أتى الشاب إلى الفتاة وطلب الحديث معها.. قلة خبرة في الحياة؟ أم تشدد في الأفكار والقيم والمبادئ والشعارات؟ أم غباء الذي دفع الفتاة لرفض الحديث مع الشاب الذي انتظرته طويلًا؟

مرت الأيام وكانت الفتاة قد اعتزلت الحياة من يومها، خصوصًا بعد انقطاع أملها في رؤية الشاب الذي لم تعرف عنه سوى صوته، فتحت الفتاة حقيبتها لتخرج الأجندة التي تدون بها مذكراتها وكان بجانبها الجريدة التي اشترتها في ذلك اليوم ولم تطلع عليها فأخرجتها وأخذت تقلب صفحاتها في شيء من العبث وسرعان ما أصابها الذهول عندما وجدت صورة الشاب في الصحيفة في تقرير عن قافلة طبية تجوب القرى الفقيرة أسبوعيًا، فقد كان الفتى يعمل طبيبًا لأمراض النساء.

عاد الأمل إلى الفتاة مرة أخرى، وتذكرت رقم الهاتف الذي سبق أن حفظته.. ولكن أشياء كثيرة منعتها من الاتصال، في مقدمتها كرامتها التي تدوس وتتنازل عن أي شيء في سبيل الحفاظ عليها.. أدخلت الفتاة الرقم على الإنترنت ووصلت إلى حسابات ومدونات لذلك الشاب على مواقع التواصل الاجتماعي.

توالت المفاجآت أو الصدامات، التي وقعت على رأس الفتاة كالصاعقة، فبعد أن كانت تعد مرافعةً للدفاع عنه أمام عائلتها وتفكر في التنازلات التي ستقدمها من أجل ذلك الشاب البائس كما خُيل إليها.. اكتشفت أنه ينتمي للطبقة الأرستقراطية فهو من أثرياء القوم، ومن المفترض أن تكون المشكلة التي كانت الفتاة تبحث عن حل لها قد انتهت، ولكن في الحقيقة أنها تفاقمت، وخاصة أن الفتاة تنتمي للطبقة الوسطى وتعرف كيف يفكر هؤلاء الأرستقراطين؟ وكيف ينظرون لغيرهم من الطبقات الأخرى؟

ما كان من الفتاة إلا أنها حاولت أن تنسى ذلك الطبيب وكأنه لم يظهر في حياتها، ولكنها ظلت تتابع أخباره من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، حتى علمت بسفره في بعثة إلى فرنسا، فبعد أن كانت تحيا على أمل أن تلتقي به مرة أخرى على سبيل الصدفة، أصبح يفصلهما بحار ومحيطات وحدود جغرافية..

ويبقى الســــــــــؤال

هل أُسدل الستار.. أم سيكون للقدر رأي آخر؟

اليوم الجديد