الرنَّات

6/24/2019 9:05:57 PM
700
كتاب اليوم الجديد

حسن السعدي


 

منذ أن أصبح الموبايل واحدًا من مفرداتنا الحياتية، ونحن نلمس العديد من المظاهر التى باتت تشكل ظواهر اجتماعية مستجدة على المجتمعات، لاسيما فى بر المحروسة على وجه التخصيص. بل وجدنا مسمى " الموبايل" نفسه يمثل حالة من الإثراء اللغوى بتنوع مسمياته فى المنطقة العربية ما بين "محمول" و"خليوى" و"جوال" وغيرها مثالًا لا حصرًا. كما بدأت الكثير من مهارات الاستخدام اللفظى والحركى تتنامى لدى حاملى "المحمول"، لا سيما فيما بين الناشئة. ليصبح الموبايل ككل، وتقنية الإضافات والتواصل بخاصة، دليلًا على تميز جيل وجمود آخر.

أما الرنَّات ذاتها فقد أصبحت مؤشرًا يمكن به رصد العديد من الظواهر المجتمعية. وأولها بالطبع ما يرتبط بما كان يتم إضافته على قائمة رنات أى تليفون محمول فى بدايات انتشاره. إذ بتحوّل الأمر إلى تقنية سهلة الإضافة، عن طريق تنويع ما بالجهاز ذاته من رنات وسهولة إضافة ما يشاء الفرد منها، بعدما يسّرت له التكنولوجيا استخدام هذا الأمر، قد أفقد بعض العاملين فى المجال دخلًا من التكسب. بل حتى قضية التحلة والحرمة فيها تناولها على استحياء واحد من أفلام أحمد حلمى!، ليبين مدى ما يعتمل لدى البعض من هواجس حيال رنات الموسيقى والغناء، استكمالًا لما فرضته بعض التوجهات الفكرية الغريبة على المجتمع حيال بعض مفرداته المزاجية.

أما على المستوى الشخصى، فحدِّث ولا حرج، بعدما باتت الرنات كتابًا مفتوحًا لأى باحث اجتماعى ليجد فيها منجمًا من ظواهر الرصد المجتمعى، الذى يمكن من خلاله صياغة رؤية صادقة للعديد من التوجهات السلوكية وسبل التعبير عنها. فما من شك أن حرية اختيار الرنات قد رسّخ حالة من الإحساس بالذاتية أو الاستقلالية لدى البعض، لكون الاختيار والاختلاف فيه سُنة كونية ليس لتجنبها من سبيل. ومن ثم فقد جاءت الرنات لتعكس أيضًا مدى ما وصل إليه الذوق العام، بدءًا من المهرجانات وانتهاءً بالسيمفونيات العالمية. كما تشى بعض هذه الاختيارات بالمظهر العقيدى للبعض، لا سيما الأدعية ومقاطع من أحاديث لكبار رجال الدين أو مقتطفات من الابتهالات والترانيم والأغانى الدينية.

وهناك من الرنات ما يعكس التخصيص لشخوص بعينها بحيث تختلف عن الرنة الرئيسية للهاتف، وبما يعكس إما مكانة الشخص أو حجم التواصل اليومى بغض النظر عن أسبابه. وتأتى فى ذات الإطار ما يمكن اعتباره رنات الذكريات حيث ترتبط النغمة والشخص بذكريات بعينها، وهذه فى الغالب ترتبط بعزيز أو حبيب لا تمثل النغمة مجرد إعلام بِاتصال، ولكنها تلخص كمًّا من المشاعر تجاه من ارتبطت بِاسمه الرنة. وغالبًا ما تكون مشاعر إيجابية فياضة، خاصة إذا ارتبطت بمناسبات الأعياد، والأشهر فى ذلك بالطبع عيد الأم على وجه التخصيص. كما تأتى المناسبات الوطنية كحالة استثنائية ترسخت بفعل متغيرات الساحة منذ يناير وما تلاها، وهو مؤشر إيجابى ينبغى التعامل معه بحرص حيث إن طول أمد الأمل حيال المستقبل المنشود قد يأتى بعكس المرجو، وهو ما يمكن رصده من الإقبال من عدمه على الرنات الوطنية كنوع من الاحتجاج الصامت. وتبقى الرنات السلبية التى يربطها الشخص ببعض الأفراد فى حياته كحالة من التعبير الغاضب بالإسقاط الصامت الذى يربط فيه بين رنة بعينها وصاحبها. لتبقى من كاتب السطور رنة بالأحرف يرسلها لبنى الوطن محملة بكل نغمات الأمانى والتهانى بأيام الله الطيبات على الدوام.                  

         

 

كاتب المقال

حسن السعدي

أستاذ الحضارة المصرية بآداب الإسكندرية

اليوم الجديد