أين المنصورة؟

6/17/2019 6:49:05 PM
176
كتاب اليوم الجديد

حسام الأشقر

عدتُ بعد غياب لقضاء إجازه قصيرة فى مدينتى التى أعشقها -المنصورة- فلم أجدها.



اعتدنا نحن المغتربون من أبناء المنصورة، ألا نتوقف عن الحديث عنها وعن جمالها الذى تربينا عليه وعشقناه. فالمنصورة -لمن لايعرفها- هى موطن الجمال والفن والعلم والأدب، ورموزها فى هذا الشأن يُشار إليهم جميعًا بالبنان، أمثال أم كلثوم وأنيس منصور ودكتور غنيم وكامل الشناوى وفاتن حمامة وغيرهم.

كانت مدينتى من أجمل مدن مصر، وكان يكفيك السير بجوار نيلها وروائح الزهور التى تنبعث من كل مكان فيها لتملأك طاقة وتفاؤلاً. كانت شوارعها أنظف مما يمكن أن نتخيله الآن، والهدوء يعمُّ أرجاءها، والخضرة تسود مناطقها، وطبائع الناس من أفضل وأرقى مايكون.. كل هذا اندثر واختفى، وصارت المنصورة أطلالاً من الذكريات، ولابد أن يسبق اسمها كل أفعال الماضى.

المسئولية مشتركة بين مسئولى المحافظة وشعب المحافظة.. فأولو الأمر مقصرون بدرجات متفاوتة، فاهتمامهم ينصبُّ على المناطق الرئيسية، التى تمثل نطاق مرور المسئولين، وأهملوا الشوارع والمناطق الداخلية والجانبية غير مدركين، أن معظم مشاكل مصر لا تنبع إلا من تلك المناطق! وشعب المحافظة يشارك المسئولية أيضًا.. فلا أدرى ما الفائدة من تحطيم رصيف أو تلطيخ جدار أو إلقاء قمامة وسط الشوارع أو تخريب حديقه أو تدمير نافورة؟ لكن السبب الرئيسى وراء ذلك، هو ضعف تطبيق القانون تارة والتسامح بدواعٍ متعددة تارة أخرى.

ألم يدرك المسئولون فلسفة رئيس الدولة، حينما أكد مرارًا وتكرارًا على أهمية الإرادة؟ وهذا مايميزه عمَّن سبقوه بكل تأكيد. ألم يروا كيف ومتى يعمل وما هى طريقة أدائه؟ ألم يدرك كل مسئول مقصر أنه أصبح خارج إطار الزمن وأنه سيصبح إذا استمر هكذا فى مرمى سهام الناس؟ ألم يقل رئيس الدولة أنه على من لا يستطيع الأداء بتميز أن يرحل؟ كم من هؤلاء يمكن تصنيفهم كمقصرين؟

وبايجاز أستطيع رصد مشاهداتى فى مدينتى فى النقاط التالية:

- مدخل المدينة ملىء بالحفر والإشغالات، ما يتسبب فى كثير من الحوادث والازدحام.

- ما إن تهبط من الجسر الرائع فى مدخل المدينة، حتى تأخذ عيناك كافة أنواع المخالفات: إشغالات للطرق لاحصر لها، ومحلات تمدَّدت إلى نهر الطرق بأشكال مبتذلة مثل وضع إطارات سيارات أو أحجار ضخمة بهدف منع الآخرين من الاستفادة من الشوارع أو الانتظار بها. (يستثنى من ذلك شارع الجيش حتى مبنى ديوان عام المحافظة، والمشاية السفلية الموازية للنيل، كما سبق الذِكر).

هناك شوارع كانت رئيسية مثل العباسى والثورة وعبدالسلام عارف وصلاح سالم بطلخا وبورسعيد والجلاء، للأسف أصابتها الشيخوخة فى مقتل، وسيطر عليها التجار وسمسارة الانتظار والباعة الجائلون، بحيث لا تستطيع السير فيها إلا بوضع جانبى إذا كنت قوى البنيان وذو لياقة عالية. فلا هى أصبحت شرايين للمرور فيها، ولا صارت شوارع تجاريه نظيفة تستطيع الشراء منها.. فقط مجرد أماكن مغلقة لم يعد يرغبها أحد.

- أماكن أخرى أصبحت مهجورة، مثل أهم ثلاثة دور عرض سينمائى بالمنصورة، واختفى معها المسرح القومى وقصر الثقافة، وكل خوفى أن تتحول إلى أبراج سكنية أو مولات تجاريه أو مطاعم.

- شارع النوادى بمدينة طلخا، أيضًا، أصبح مثالاً للإشغالات، فأمام كل صالة أفراح خاصة فى موسم التزاوج، الذى بدأ بعد رمضان، أصبح مصدرًا لإزعاج سكان المنطقة (والبديل هو رصف شارع البحر الأعظم الموازى ليكون شريانًا بديلاً له).

- الحفر والمطبات فى أماكنها ولله الحمد.

- نُقدر ماتم اتخاذه من إجراءات احترازية حول مبنى المحافظة ومديرية الأمن، لكن أيضًا هناك نقطة ساخنة وحسّاسة بجوار معسكر الأمن فى شارع البحر الأعظم بطلخا، وهى نقطة تلاقى مجمع مدارس مع مدخل شركة الكهرباء ومعسكر قوات الأمن، مطلوب وضع إجراءات احترازية مشابهة لهم، أو منع السيارات التى لا تنتمى إلى المنطقه من خلال فرد أمن واحد، وكلها مسافة لاتتجاوز 70 مترًا.. والوقاية خير من العلاج.

- تفشت ظاهرة التسول فى المدينة، خاصة فى إشارات المرور، بل هناك عائلات تتبادل الورديات فى ذلك، بالتوازى مع ظاهرة احتلال البعض أماكن فى الطرقات والشوارع والإقامة الدائمة فيها.

- لايوجد بالمنصورة أماكن انتظار، إلا إذا استسلمت لسماسرة الانتظار الذين يفرضون عليهم مايشاؤون من إتاوات.

- هناك أمام جامعة المنصورة بؤرة تجمع سيارات ترتكب فيها كل السلبيات.

- أما القمامة فقد أصبحت القاسم المشترك بين شوارع المناطق الراقية والشعبية، تحولت إلى جبال تصدر عنها روائح مختلفة. فلا وجود إلى الصناديق المعتادة ولا أداء عامل النظافة مرضى، وانتشرت ظاهرة النبّاشين الذين يلتقطون من القمامة مايريدون ويتركونها مصدرًا للتلوث، (والحل بسيط.. عمل ورديتين من جامعى القمامة: وردية صباحية يتقاضى عنها العامل راتبه الرسمى، وأخرى مسائية يتحملها السكان بواقع 10 جنيهات للشقه السكنية).

- توجد حملات رأيتها بعينى للمرافق، لكن بعد مرور الحملة بثوانٍ تعود كافة الإشغالات إلى ماكانت عليه، (والحل بسيط أيضًا.. مسئول الحملة يبلغ المخالف أنه سيتم تصوير المخالفة من أناس مجهولين تابعين للمحافظة، وستكون العقوبة 1000جنيه، ويتم تخصيص أشخاص يثق بهم وبضمائرهم للقيام بالتصوير الذى يكون دليلا دامغا لامهرب منه).

ياسادة، المواطن لا يهمه مشروعات المحافظة التى تعاقدت عليها، ولا استثماراتها ولا زيارات السيد المحافظ هنا أو هناك.. كل مايطلبه المواطن شارع نظيف بلا إشغالات خالٍ من البلطجه بكل أنواعها، وتلك هى أهم إنجازات أى محافظ؛ النظافة والإشعالات. هذا ما يجعلنا اليوم نتذكر بكل إجلال سعد الشربينى وفخر الدين خالد. وفى النهاية نؤكد على أن الإرادة لو توفرت لاختفت مشاكلنا جميعًا، تلك الإرادة التى جسّدها الرئيس السيسى فى كل محفل، فإذا أردت فلتفعل.. أما إذا اكتفيت بالنوايا الحسنة، فلن يذكرك التاريح بشىء.

كاتب المقال

حسام الأشقر

اليوم الجديد