هل مصر تمضي.. أم محلك سر؟

6/8/2019 9:49:55 PM
135
كتاب اليوم الجديد

حسام الأشقر


 

تقتضى الأمانة أن نقيّم ما مرَّت به مصر منذ 2011 حتى الآن، بعيدًا عن أى انتماءات، ونصدر حكمًا بريئًا من أى مجاملة أو تهليل أو شبهات.

الأمن: أصاب البلاد حالة من السيولة والفوضى العارمة، ارتعد لها جسد كل مصرى؛ خوفًا على حياته ومقتنياته ومنزله وأولاده. ولم يكن أكثر المتفائلين يمكنه أن يخمِّن كيف ستكون الصورة المستقبلية لمصر. منَّا من غادر البلاد، وهناك من أغلق استثماراته ومشروعاته، ومن نهب وسرق، ولم يبق على أرض المحروسة إلا الشعب الحقيقى، الذى ليس له ملاذًا غير بلده وأرضه، فهؤلاء ليس لديهم جنسيات أخرى ولا جوازات سفر، لذلك لم يفكر أحد منهم فى الاقتراب من المطارات والموانىء البحرية والبرية؛ بحثًا عن فرصٍ للنزوح. ولكن بفضل من الله وبإخلاص رجالها، تمَّ تطهير الوطن ممن دنسوه ولا يزالون يفعلون، وعادت مصر آمنة مستقرة فى زمن قياسى لم يتخيله أكثر المتشائمين. ومازالت البلاد فى حالة حرب حقيقية مع الإرهاب، الذى ينتظر لحظة ضعف أخرى لينقضَّ على جسد مصر لينهشه. ورغم ما تنفقه الدول الراعية للإرهاب على تلك الجماعات، إلا أن صلابة رجال مصر أقوى مما يتخيلون، وستكون نهايتهم جميعًا على أرض مصر.

البنية التحتية: لم تشهد مصر عبر تاريخها ما تشهده الآن من ثورة إنشائية ومعمارية، فالطرق والمحاور الإقليمية تتحدث عن نفسها، والمدن الجديدة تتسع وتعلو وتعلن عن خروجها عن سياق القاهرة وعواصم المحافظات، إيذانًا بإنشاء مجتمعات جديدة لأجيال قادمة. تعددت المشروعات السكنية لكلِّ الطبقات، واختفت العشوائيات إلا قليلاً، فى أكبر عملية تطهير شهدتها البلاد، وعادت سيناء إلى حضن الوطن الأم من خلال عبور آخر عبر الأنفاق، وتم ربط شرق مصر بغربها.. وكان للقناة الجديدة أعظم الأثر فى مضاعفة إيراداتها، وما خفى كان أعظم.

الاقتصاد: ماحدث يشبه إلى حد بعيد معاملة مريض ظلَّ لسنوات يعانى من مرض عضال، إلى أن أتوا له بجراح يستأصل مكمن ذلك المرض. هكذا كان قَدَر الرئيس السيسى. فبعد أن عشنا لسنواتٍ طويلة بمسكنات، لم تؤتِ ثمارها، بل كان أثرها يريح لبعض الوقت ثم تعاودنا الآلام، جاء الرئيس وبيده مشرط الجراح (وطبيعة البشر أن يهابوا الجراح والعمليات الجراحية ويكرهوا الجروح ومنظر الدماء)، لكن كان لابد من الاستئصال؛ لإنقاذ جسد الوطن وتطهيره بعيدًا عن المسكنات. كذلك، فإن تكاليف الجراحة ليست مثل تكاليف المسكنات، فكانت الإجراءات الاقتصادية الصعبة التى آلمت المصريين. نعم، الألم شديد لكن الشفاء حتمى بإذن الله، ولكى لا يعاود المصريون الألم، قامت الدولة بإجراءات مقبولة، ولو مؤقتًا، فى شأن المعاشات وزيادة المرتبات، لكى تواكب، ولو بنسبة، الأسعار المرتفعة. كما كان هناك إجراءات أخرى، مثل معاش "تكافل وكرامة"، والذى يُعتبر خطوة هامة لمعدومى الدخل. الجميع يأملون فى وضع اقتصادى أفضل، وعلى رأس الآملين رئيس الجمهورية، ولكن التصرف على قدر الدخل القومى، ومن هنا تبرز أهمية سعى الرئيس الدؤوب لاستكشاف منابع للغاز أكثر وأكثر، وجلب الاستثمارات التى تضخ الدماء فى شرايين الاقتصاد. ومن هنا لا غرابة إذًا فى الاهتمام بما تمَّ فى شأن البنية التحتية من طرق وأنفاق وكبارى كإحدى متطلبات الاستثمارات. والأكيد أن الرئيس سيكون أسعد المصريين حينما يقرر اتخاذ أى إجراء من شأنه تخفيف الأعباء عن كاهلهم، ونثق فى ذلك، ونثق فى أن المستقبل أفضل ولو بعد حين.

القوات المسلحة: أصبح جيش مصر بحق هو الدرع الواقى لهذا الوطن بفضل ما تم استحداثه من أسلحة فى جميع أفرع القوات المسلحة. ورغم صيحات الاستهجان التى تساءلت عن جدوى ذلك التطوير. إلا أن المتغيرات التى تمرُّ بها المنطقة تثبت خطأ ادعاء هؤلاء، فلا عمل ولا استثمار ولا حياة بدون جيش يحمى مقدرات المصريين، فالأمان يسبق كل متطلبات الحياة. ويكفى أن المعادلة أصبحت أن من يتحالف مع مصر فإنه يفعل بسبب جيشها، ومن يعادى مصر، أيضًا يفعل بسبب جيشها. إذًا لا يمكن اختفاء الجيش من المعادلة، فهو العمود الفقرى لأى توازن، والعصا التى تجبر الآخرين على التفكير ألف مرة، قبل القيام بأى عمل عدائى ضد مصر. ولا يخفى على أحد ما يدور من حولنا، وحسنًا فعلت القيادة السياسية بإخفاء ما يجب إخفاؤه والإعلان فقط عما تريد فى الوقت الذى تراه مناسبًا. فتلك هى الحنكة التى اكتسبتها القوات المسلحة عبر تاريخها المشرف.

داخليًا: نعترف أننا قد أصابتنا سلبيات عديدة فى السنوات الأخيرة، وأسباب ذلك متعددة؛ انقسمنا على أنفسنا، وتشتتت جموعنا، وزادت الاختلافات بين أفراد الأسرة الواحدة، وضللنا طريق التفاهم. تحدَّث بيننا قليلٌ مِمَّن يعلم وكثير ممن لا يعلم، وتفلسف كل جاهل ببواطن الأمور. طفت وجوه غريبة على السطح، تتحدث بلغة ليست لغة المصريين، وبمفردات غريبة، وما كان لديهم إلا قشور يتشدقون بها. أصبحت برامج "التوك شو" مرتعًا لهؤلاء، وللأسف تأثر بهم كثير من المصريين، ممن افتقدوا الخلفية التاريخية والاجتماعية الصلبة. لكن على النقيض منهم، كان هناك من أبناء الوطن من لم يشغلهم كل ذلك عن ثباتهم الوطنى، إذ كان شغله الشاغل هو حماية تلك البقعة التى نعيش عليها مهما كان الثمن، فدافعوا عنها بكل ما يملكون، وكانوا حائطًا عاليًا ضد المؤامرات ومحاولات الخيانة. تحملوا الكثير من المهاترات، ولم يردّوا بمثلها حتى تجلت الحقيقة مع مرور السنوات، وتكشفت أطراف المؤامرات، وأدرك المصريون من معهم ومن عليهم.

وبقيت كلمة لنا جميعا.. دعونا عونًا نعظِّم من شأن وطننا مهما كانت السلبيات، دعونا نسلك السلوك الذى نسلكه عندما نغترب عن بلادنا، فلا نلقى بمخلفاتنا فى شارع، ولا ندمر رصيفًا ولا نعبث بمرفق. لماذا تهون بلادنا علينا ونعاملها أسوأ معاملة فى حين نموت رعبًا إذا ارتكبنا نفس السلوك خارجها؟ نحلم بمصر نظيفة، خالية من أى مخالفة، نحلم بسيادة القانون فى الشارع قبل المؤسسات، نحلم بإدارات حكومية خالية من أى متكاسل، نحلم بمحليات بلا رشاوى، نحلم بالقضاء على كل فاسد فى أى مجال، نحلم بمؤسسات لا تعمل بوساطة، نحلم بتعليم حقيقى وبمدرسة ليس بها معلم متخاذل ولا طالب بلطجى، نحلم بشارع آمن بلا سايس، نحلم بشوارع خالية من الإشغالات، نحلم بالتزام الجميع فى كل شرايين الدول، نحلم بمواطن لا يفعل فى العلن ما لا يفعله فى السر، كل ذلك لن يكون إلا بقانون صارم يُطبَّق بلا هوادة وبلا تخاذل وبلا محسوبية.

لكن الأكيد أن مصر تمضى، وليست محلك سر.

المسئولية مشتركة بين الدولة والشعب.. والقادم أفضل بإذن الله.

كاتب المقال

حسام الأشقر

اليوم الجديد