الزعيم عادل.. إمام الفن

5/28/2019 8:15:46 PM
148
كتاب اليوم الجديد

حسام الأشقر


 

لست أبالغ عندما أقول أننى مع بداية سباق رمضان الدرامى المحموم, وجدت نفسى للوهلة الأولى أبحث عن القناة التى تذيع مسلسل الزعيم عادل إمام, ثم تذكرت أنه  ليس متواجدا بيننا هذا العام, وعلمت بعد ذلك أن هناك عملاً جديدًا يجرى الإعداد له ولم يلحق بالموسم الرمضانى, وسعدت كثيرا بتأجيل عرضه لما بعد رمضان، على أمل أن يعيد تجميع شتات الأسره المصريه حول التلفاز فى موعد المسلسل المعروف لنا منذ عقود.

ومن حسن الطالع أن يطالعنا منذ أيام قلائل عيد ميلاد الزعيم, وكأنه يقول لنا من خلف ستار وابتسامته تعلو وجهه " أنا موجود لا تنسونى"- نعم إنه هنا- حتى وإن غاب عن سباق هذا العام, هنا وسيظل كما اعتاد أن يتواجد مع هموم المصريين وأفراحهم, وإننا مهما اختلفنا أو اتفقنا معه, سيظل إمام الفن.

وحقًا.. إن من أراد أن يتتبع المجتمع المصرى فى الخمسين سنة الأخيرة، تكفيه أعمال الزعيم التى تنوعت وتشكلت من خلاصة هموم الشعب ومعاناته وأفراحه, من انكساراته وانتصاراته وإنجازاته. فقد استطاع بقدراته التشخيصية، أن يلتحم بمشاعر ووجدان المصريين، واستطاع بمفرداته البسيطة أن يعكس الحالة النفسية والحركية لكل من هو فى الشارع المصرى- التحم بالمهمشين والفقراء والكادحين وعبّر عنهم أفضل تعبير, جسّد كبار القوم وبرع فى ذلك, شخّص الانتهازيين وكأنه منهم, لعب الأدوار الوطنية فخلدته.

ويمكن تقسيم حياة الزعيم الفنية إلى ثلاث مراحل: فى الأولى – وهى مرحلة الشباب- بدأ انتشاره كفنان شاب له حضور لافت، ورغم قلة مشاهده المسرحية والسينمائية، إلا أنها علقت فى أذهان المصريين.. ولم يقل مثلما يقول شباب الفنانين، بأنه ينتظر المناسب من "الورق" لتعليل عدم الظهور, بل اندفع بكل طاقاته, أخطأ وأصاب. تعتبر المرحلة الثانية للزعيم هى مرحلة التوهج والثبات الفنى، والتى شهدت انطلاقاته الكوميدية على المسرح وشاشة السينما. أما المرحلة الثالثة فقد شهدت نضوج الزعيم وبلوغه قمة العطاء مما جعله أيقونة الفن والإبداع فى مصر والعالم العربى. لم يكن العمر عائقًا أبدًا أمامه, بل على العكس أصبح أكثر توهجًا, ولم يهزمه الزمن, بل هو من قهر الزمن.

ينتقد البعض الزعيم فى أجره وضعه المالى الذى وصل إليه من نجاح؟!.. ويتناسون كيف ومتى وعلى أى مدى زمنى حدث كل هذا؟!. ولو عقدنا مقارنة بسيطة بين لقطتين من أفلامه، ربما تكمن فيهما الإجابة. فإذا أعدنا مشاهدة لقطة:  بلد شهادات" مع لقطة: "اللى يشوف البلد دى من فوق غير اللى يشوفها من تحت" فسوف ندرك طول العمر والزمن الذى مرَّ بالزعيم حتى وصل إلى ما وصل إليه. فعلى مدى أكثر من خمسين عامًا والزعيم لم يستكن ولم يهدأ ولم يصبه إحباط أو يأس, بل اجتهد وأفنى عمره كله فى عمله, قفز من نجاح إلى نجاح، ومن فشل إلى نجاح حتى وصل إلى قمة عرش السينما والدراما. وفى مسيرته دروس لكل شباب الفنانين الذين يريدون اعتلاء القمة بلا جذور تدعم ثباتهم.

حقا...إن لكل مجتهد نصيب- والزعيم اجتهد واحترق وكد وتعب, ولذلك احتلَّ مكانة فى قلوب الملايين, ومقارنته بغيره ظالمة له ولهم, فلاهم بلغوا ما بلغ من مجد (على الأقل بحكم العمر والتجربة)، ولا هو ينتظر منافسُا (بحكم أنه قد أعطى لمعظم الشباب فرصًا بجانبه لينطلقوا من خلالها)، وتلك هى طبائع المعلم الملهم والرائد فى مجاله.

سيظلُّ عادل إمام فى القلوب والعقول, ويكفينا ما نردده من مقاطع قالها عبر الزمن الطويل, كلمات حفرت فى القلوب والعقول ومشاهد علقت بالذاكرة, وحتى حينما يصمت (كما فعل فى المشهد الافتتاحى لمسرحية الزعيم)، فإن صمته كان أبلغ من أى كلمات, انتزع الضحكات المدوية قبل أن ينطق  بكلمة واحدة. هذا كله لا ينبع إلا من إنسان انصهر مع مجتمعه وعاش قضاياه وتجرع معاناته.

كل عام والزعيم بخير- وننتظر العمل القادم فى هدوء، بعيدًا عن صخب رمضان.

كاتب المقال

حسام الأشقر

اليوم الجديد