أحمد غانم .. الفائز دائمًا

465
كتاب اليوم الجديد

هيثم الشيخ

رحل «غانم» متوجًا بما أنجزه طوال عمره من علم وعمل، رحل أستاذا ورئيس قسم، رحل بعد أن نجح فى إنجاز كل التحديات التى وضعها لنفسه طواعية أو وضع فيها مجبرا


الفراق.. لأننا بشرٌ نخشاه، يقول من ذاق مرارته إن آلامه تبدأ فى ثنايا الروح كجبل الجليد، ثم تذوب مع الوقت، لكن مع الوقت أيضا، قد يحدث العكس، حينما يذوب الجليد بفعل ثورة بركان ينفجر حاملا تراجيديا البعاد السرمدى، تلك التى تجوب فى شرايين الأحبة، فتغور الجراح أكثر، وإن هدأت حممها تبقى آثارها متلهفة.. يحدث هذا كلما أدرك العقل قيمة من رحل، وكلما حزَّ الآلم بالوجدان.

أن تكتب عن عزيز فقدته، لهى أصعب حالات الكتابة حين تستجمع رباطة جأشك؛ كى يهوّن عليك وترتضى أن تلخص ذكرى أفضل الأصدقاء فى كلمات، أن تسترجع شريط ذكريات دامت سنوات عشتها آملا لصياغتها آلما، فيخفق القلب مع كل ذكرى لايزال قابضا عليها.

«أحمد غانم حافظ»، تأبى الأنامل تدوين الاسم فى مرثية، لكن كيف لى ألا أفعلها لأغلى الأصدقاء.

عاشرته على مدى خمسة عشر عاما، كنت شاهدا على جانب ليس بالقليل من رحلة كفاحه.. ظل يسابق الزمن لتحقيق ذاته ولما حققه رحل صغيرا تاركا أعماله الكبيرة.

حمل وقار العلماء وتواضع البسطاء، فكان يتصدَّق على الجميع بابتسامته، عرف عنه خفه الظل، يتسم الأصدقاء بمجرد رؤية وجهه البشوش، له طريقته الخاصة فى الحديث والوصف، مما جعل من مجلسه مؤنسا للكبير والصغير.

عاش حياته كلها فى سباقات، سباق مع زملائه ليكون الأول على دفعته ليحقق حلمه بالتعيين معيدا، وآخر للحصول على درجه الماجستير ليكون مدرسا مساعدا، وسباق آخر للحصول على الدكتوراه، تلك الدرجة التى أوصاه والده بالحصول عليها قبل وفاته.

لم تنته السباقات فى حياة الشاب الطموح عند هذا الحد، فسافر إلى إنجلترا فى مهمة علمية لإعداد خمسة أبحاث خاصة بدرجة الأستاذ المساعد، وعقب عودته إلى مصر تقدم بها إلى لجنة الترقيات التى رفضتها بالكامل مما أصابه بصدمة علمية، لم تنل منه كثيرا ليعود لإعداد خمسة أبحاث جديدة فى عام واحد أجازتها جميعا لجنة الترقيات لتوافق على ترقيته لدرجة الأستاذ المساعد، ويقترب بعدها من تحقيق حلمه الأكبر - الحصول على درجة الأستاذية- تلك التى نالها عن جدارة بعد خمس سنوات أخرى من الكفاح والبحث.

الآن أصبح الشاب أستاذا، لم يعد هناك مانع من الشعور بشىء من الاطمئنان حول مستقبله العلمى والأدبى، فها هو يتولى رئاسة ذلك القسم الذى كان يحلم قبل سنوات بعدم مغادرته بعد التخرج، وبينما بدأ اسمه يلمع علميا وإعلاميا، وبينما أوشك أن يقطف ثمار ما زرعه كدًّا فى المستقبل القريب، كان أمر الله أقرب.

لقاؤنا الأخير كان فى منزله، على غير المعتاد، بعد أن بدأ المرض يكبل حركته، شرح لى طبيعة مرضه برضا أدهشنى، كان قويا أكثر من أى وقت آخر، وجّه لى نصائحًا للحفاظ على صحتى، رغم أننى كنت مضطرا للسفر للقاهرة على عجل إلا أننى كنت أرغب فى الجلوس معه أطول وقت ممكن، ربما لشعور غريب انتابنا هذه المرة، وحينما جاء الموعد غادرت..كان وداعنا مختلفا لمعت عينانا وكأنهما تتحدثان فى حوار مكتوم «ابقيا قليلا» .. وكأنى كنت أعلم وكأنه كان يعلم أنه اللقاء الأخير.

«القاهرة» العاصمة والظروف أبعدتنى عنك كثيرا يا صديقى فسامحنى..الحين حين ندم وحنين..لم أدخل مكتب رئيس القسم الجديد، لم أكن أتوقع أن تتركنا بتلك السرعة، كنت جاهلا حقا بقيمة أن يكون لى صديق مثلك، لم أتوقع أن تغادرنا تلك البسمة وهذه الروح وتلك الشهامة.

فزت أنت فى كل السباقات التى خضتها حتى سباقك الأخير مع المرض، لم تتركه ينال منك، ذهبت بإرادة المولى إلى دار الحق راضيا، دون أن تزعج أحدًا بتفاصيل معاناتك التى تحملتها وحدك كعادتك.

الأسماء على القبور حول بيتك الجديد كانت أكثر من تلك التى تعيش بيننا مؤقتا..كل ما حدث أنك سبقتنا مجددا للحقيقة الوحيدة التى كنت تعرفها من قبل، فبقيت كما كنت غانما.

لم يكن «غانم» مجرد صديق فكان فى كل الظروف نعم السند، عرفته منذ أن كنت طالبا فى الجامعة وكان هو مدرس حديث التعيين، شارك معى متعة البدايات قبل التعيين فى وكالة أنباء الشرق الأوسط، وكان خير داعم لى فى رحلتى العملية والعلمية المتواضعة جدا مقارنة برحلته الكبيرة.

كان الأستاذ الجامعى عاشقا للصحافة بالفطرة ظل نموذجا للأستاذ الذى لم ينغلق داخل تخصصه، كتب عشرات المقالات بانتظام فى الأهرام وفى العديد من الإصدارت، زينت مقالاته صحيفتنا الشابة «اليوم الجديد»، كانت أبحاثه وآراؤه العلمية مرجعا للعديد من الصحفيين، كون صداقات كثيرة فى الوسط الصحفى مثلما كان محبوبا بين زملائه فى الجامعة الذين انتخبوه عضوا فى مجلس إدارة نادى أعضاء هيئة التدريس بالإسكندرية، ومن ثم مقررا للجنته الثقافية.

كان وفيا وعاشقا لأسرته زوجته وفلذات كبده الثلاثة «وعد، شهد، رغد» كان دائما مهموما بمستقبلهم، عاش بارا بوالدته الطيبة، حتى والده الذى رحل قبل ستة عشر عاما، كان حريصا على زيارته والدعاء له، كان دؤبا فى فعل الخير وكريما وطيبا فى كل شىء.

ضميره العلمى كان له طبيعته الخاصة، سافر للعديد من الدول طالبا للعلم فى إيطاليا وإنجلترا وغيرهما من الدول، نشر العديد من الأبحاث العلمية باللغة العربية والإنجليزية، وأجاد الإيطالية واليونانية ودرسهما.. مواعيد المحاضرات لديه مقدسة، لم يكن من السهل عليه أن يلغى محاضرة أو حتى يختصر وقتها، لم يبخل بعلمه على تلاميذه، الذين دائما كانوا يحاصرونه فى مكتبه باستفساراتهم العلمية فيجدونه بشوشا مرحبا ومجيبا.

من لا يعرفه أدرك من كلمات أساتذته وتلاميذه وزملائه عنه من هو، ترك فينا الكثير وعلمنا الكثير، فاستحق الحب والذكرى الطيبة والتقدير.

رحل «غانم» متوجًا بما أنجزه طوال عمره من علم وعمل، رحل أستاذا ورئيس قسم، رحل بعد أن نجح فى إنجاز كل التحديات التى وضعها لنفسه طواعية أو وضع فيها مجبرا، رحل بطلا متوجا بدرجة أستاذ.

فلا سبيل اليوم إلا بالرضا بقضاء المولى، ولا نملك يا صديقى سوى الدعاء لك.. فادعوا له بالرحمة والمغفرة وأن يتقبل المولى عز وجل منه صالح الأعمال، ادعوا لمن ترك علما وعملا وحبا وفِى النفوس جمالا.

 

كاتب المقال

هيثم الشيخ

رئيس تحرير جورنال اليوم الجديد 

اليوم الجديد