الفيروسات البشرية

5/4/2019 10:21:16 PM
378
كتاب اليوم الجديد

حسام الأشقر


 

من خصائص الفيروسات أنها تحيا داخل الأجساد وتظل كامنة حتى تحين لحظة وهن وضعف الجسد فتنشط وتهاجمه بشراسه، مستفيدة من فقدانه لأسلحته الحيوية التى من شأنها أن تقاومها وتفتك بها. والفيروسات منها ما ينشط فى الشتاء ومنها ماينشط فى الصيف، وهى فى كل الأحوال تقتات على بقايا الجسد ومخلفاته وبقاياه. ويظل الجسد فى حالة مقاومة إلى أن يسترد عافيته ويقضى عليها تماما.

هذا هو حال البعض من أبناء الوطن الذين ولدوا وعاشوا على أرضه لسنوات عديدة، تمتعوا فيها باستثماراتهم وحققوا طموحاتهم.. فأنشاوا الشركات والمدارس والمشروعات الغذائية والشركات العقارية، أخذوا بزهيد الأسعار وباعوا بأعلى الأثمان، ومنهم من أصبح نجما سينمائيا وعاش بين بنى وطنه فى برج عال من الكبرياء والنجومية والرضا حين يشار إليه من أبناء الشعب، بل منهم من لعب أدوارًا قومية فى أفلام أو مسلسلات ارتبطت باسمه وهيئته حتى ظنه الناس وطنيا. وفريق آخر أنفقت الدولة عليه فى البعثات العلمية ما أهله ليرتقى أعلى المناصب فى المؤسسات الأكاديمية بمختلف تخصصاتها، وعاد لايحمل لها إلا غلا وحنقا. لكنهم جميعا تشاركوا خصائص الكراهية المستعرة فى صمت بين جوانبهم، والحقد الدفين الذى لف مشاعرهم. وهكذا. فقد قضوا سنوات عديدة من التربص والانتظار وظلوا فى حالة استعداد دائم للانقضاض على الوطن.

وعندما حانت لحظة الضعف وأصابت جسد الوطن، توحشت تلك الفيروسات البشرية وبدأت تخرج من ظلمة السكون وتطفو على وجه الوطن الذى بدت عليه بعض الأعراض الجانبية التى لم تخف على أحد. وتناست الفيروسات أنه لولا فتات الجسد التى اقتاتت عليها مادامت لها الحياة.. ظلت الفيروسات تضرب جسد الوطن من الداخل ومن الخارج وظل الجهاز المناعى للوطن فى حالة صراع لا يتوقف ضد تلك الفيروسات القاتله. تأثر الجهاز الإعلامى للوطن وأصابته العدوى فتطايرت منه الكلمات والتصريحات وتعددت اللقاءات بعشوائية. كما أصيب الجهاز الاجتماعى بحالة من السيلان الفكرى واللفظى لم تتوقف حتى الآن. وأصيب الجهاز الفكرى والدينى بفشل تنويرى ولن تفلح معه إلا حالة من الغسيل الشامل. أما القلب... فلله الحمد.. لم تستطع الفيروسات النيل منه واقتحامه لأنه لم يكن فى متناولها، فهو المضخة الرئيسية للأمل داخل جسد الوطن، وهو من أبقى على حياة الجسد بفضل تمسكه وثباته.. وهذا مافعله جيش مصر لجسد الوطن مصر بفضل رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه.

وقد أثيرت كثير من التساؤلات بشأن تلك الفيروسات وعن كيفية تأقلمها على الحياة داخل الجسد بظروفه المختلفة... وكانت الإجابات تنطوى على تأكيد خاصية الازدواجية والنفاق والكذب لدى تلك الكائنات، فهى تكره الجسد لكنها لا تستطيع أو تريد مغادرته لأنها تقتات عليه وهو لها الحياة بكل منافعها. كذلك فهى تتآمر عليه مع كائنات أخرى من الطفيليات والجراثيم لتسهيل سبل العيش داخله من أجل منافعها الذاتيه، ولا مانع لديها أيضا من التحالف من وكلاء الأمراض لغزوه والقضاء عليه لكى تزهو بانتصارها وتبدأ فى تكوين بيئة أخرى تتغذى عليها.

لكن جسد الوطن قد حفظه الله....فلم يستطيعوا بتر أى جزء منه.. ولن يستطيعوا. وعندما تعافى الجسد واسترد عافيته، لم يجدوا أمامهم إلا الانتشار بعشوائية فى البيئة المحيطة بغرض التلويث، لكن الجسد اكتسب مناعته وعادت إليه عافيته.. ولن يصبح سعيهم إلا عبثا وهباء منثورا.

ويوما بعد يوم.. تتجدد طاقات جسد الوطن، فيكتسب دماء نقية جديدة، وتولد داخله شرايين وأوردة خالية من الفيروسات السامة، إذ لم يعد لها مكان داخل الجسد العفى بعد اليوم. وبالتوازى مع الصحة الجسدية للوطن بدأت تلوح بوادر الصحة النفسية فى العقول التى ستلفظ بكل تأكيد كل شاذ. ربما تستغرق فترة النقاهة الجسدية والفكرية والدينية سنوات، لكنها بكل تأكيد واقعة لا محالة، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون، وسيدرك الذين جهلوا كم كانوا مخطئين.

 

كاتب المقال

حسام الأشقر

اليوم الجديد