ذكرى مولد المصطفى

11/11/2019 6:16:20 PM
195
كتاب اليوم الجديد

حسام الأشقر


 

تهبُّ علينا اليوم نسمات ذكرى مولد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وتأتينا الذكرى العطرة، ونحن فى حال لا نُحسد عليه، إذ يسود بيننا الشقاق وتتغلب الكراهية والحسد ونبتعد أكثر وأكثر عن تعاليمه صلوات الله وسلامه عليه، ولعل ذكرى هذا العام تكون فرصة طيبة لمراجعة النفس ومحاولة تقويمها من خلال استرجاع تعاليمه وتجديد إيماننا.

تأتى ذكرى هذا العام، وكاتب المقال فى رحاب المسجد النبوى وفى أحضان الروضة الشريفة، وما كلماتى التالية إلا إرهاصات مرت بخاطرى وقت تواجدى فى تلك الرحاب الطاهرة، وعلى مقربة من القبر الشريف.

فما إن تدلف إلى ساحة الحرم النبوى إلا وتستقبلك القبة الخضراء ببهائها ورمزيتها، تتسارع الخطى وترتبك دقات القلب، وتتدفق الدماء فى العروق انفعالا مع اللحظة النادرة، تلفك السكينة، ويسيطر عليك الخشوع وتؤدى صلواتك فى كامل الطمأنينة والهدوء، فالصلاة فى هذا المقام ليست كالصلاة فى غيره، تستشعر وجوده صلى الله عليه وسلم وتتوقع مراقبته لك فتزداد شغفا وحبا له.

تتسارع اللحظات داخل الروضة الشريفة بحكم الزحام الدائم، تأخذك الأفكار إلى الوراء 1400 عام، تسترجع كيف جاهد الرسول فى سبيل نشر دعوته وكيف نصح الأمة ودافع عن رسالته حتى أتاه اليقين. يتضاءل لديك كل أمر دنيوى فى هذا المقام، تسخر من هفواتك وذلاتك ومشاحناتك، تندم على كل خطأ وخطيئة، تتمنى أن تولد من جديد لتسلك مسلكه وتتبع سُنته بلا هفوات.

ويصيبك الخجل عندما تقارن حالنا اليوم بما كان يجب أن نكون عليه، تستحضر وجوده صلى الله عليه وسلم وتتخيل حكمه فيما وصلنا اليه، تستلهم كلماته وتحاول تطبيقها على وضعنا الحالى وماكان سيقول فينا بعد أن ضللنا كثيرا، وبعدنا كثيرا عما تركه لنا ونبّهنا بشأنه بأننا لن نضل أبدا إذا تمسكنا به قاصدا كتاب الله وسنته.

لقد أتى صلى الله عليه وسلم بالحق المبين وأسس له وعلمه أصحابه، أسس لأصول العبادة والعقيدة والحياة والتعايش مع الآخر، جنح دائما للسلم ولم يخرج معاديا بل مدافعا، نشر روح التسامح والستر والمساواة والخير، لم يتمنَ شرا لأحد حتى أعداءه، وعد أمته بشفاعته حتى يجعلنا نستشعر رحمة الله ولا نيأس من خطايانا. وبكل تأكيد كان صلى الله عليه وسلم سيتبرأ من كل فعل أو قول أو تأويل يجنح بالأمة إلى الشرور والخبائث التى لم نعهدها فى سنته ولا تعاليمه.

واليوم.. أين نحن من كل هذا؟ ما يصدر عنا اليوم مدعاة للتوارى والخجل. لقد ذهبنا بعيدا بعيدا عن روح تسامح نبينا الكريم، تبسطنا فى أمور حياتنا تبسط التفريط، تهاونا فى أسس عقيدتنا تهاون التشويه والضبابية. نحن نرى الآن بيننا كل مانهى عنه الرسول ونعتاده ولا ندرى إلى أى مدى سنبلغ. بلغ بنا التهاون حد التفريط فى كل مقدس أتى به الرسول حتى اصبحنا نعتنقه كما لو القاعده. صارت عقيدتنا هشة حتى أصابها الكثير من آراء المغلوطة والفتاوى المريبة؛ لأنها وجدت فى ضعفنا التربة الخصبه للانتشار.

وذكرى الحبيب اليوم فرصة نادرة؛ لمراجعة النفس وتطهيرها مما علق بها، فسيرة نبى الأمة هى أنقى المنابع التى نستقى منها وقودا يدفعنا لإكمال رحلة الحياة بكل أمان. دعونا نتوقف عن كل ما نرتكب من موبقات كالنفاق والكذب والخداع والانفلات والسباب والانحلال وغيرها، دعونا نعود إلى سيرته صلى الله عليه وسلم، ونقبض على سُنته وكتاب الله حتى لو كانت قبضتنا كالقابض على الجمر.

 

كاتب المقال

حسام الأشقر

اليوم الجديد