العشوائيات المنمقة

10/14/2019 9:34:15 PM
193
كتاب اليوم الجديد

دينا المقدم


 

 العشوائيات هى منطقة سكنية غير منظمة، بُنيت فى الغالب بدون ترخيص، وقد تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة، كما تسمى فى مصر إسكان العشش، وهى أحياء تنشأ فى المدن بشكل عفوى لا تخضع للمعايير العمرانية الحديثة، ولا تستطيع التفاعل مع متطلبات الحياة العصرية، كما أنها تعجزعن تقديم الخدمات الأساسية، وبالتالى تولد مشاكل مزمنة، مثل: المواصلات، الصحة العامة، البيئة، والأمن.

تنعدم الخصوصية فى هذا النمط الإسكانى؛ نظرا لارتفاع معدل التزاحم داخل الوحدة والتلاصق الشديد بين الوحدات، لدرجة أن بعضها تحيط به العشش من ثلاث جهات، الأمر الذى يجعل كل ما يدور داخل إحدى العشش مشاعا لدى العشش المجاورة، والمسألة لاتحتاج تطفلا بين السكان، فالفواصل الخشبية أو المصنوعة من الكرتون تسمح بنقل الصوت إلى العشش المجاورة، ومع وجود فتحات أو ثقوب بين هذه الفواصل يجعل الرؤية أمرا ميسورا.

تعود مشكلة ظهور الإسكان العشوائى إلى بدايات القرن العشرين، وذلك تواكبا مع التوسع العمرانى السريع للمدن وإعادة التعمير بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تمركز الخدمات والمصالح الحكومية فى المدن الرئيسية وظهور العديد من الصناعات الحديثة، أدى ذلك إلى زيادة الهجرة الداخلية للأفراد والنزوح من الريف إلى المدن سعيا وراء الحصول على فرص العمل.

ومع سعى هؤلاء النازحين من الريف إلى المدن للحصول على مسكن ملائم، حسب مواردهم الضئيلة داخل الكتلة السكنية للمدن؛ فقد لجأوا إلى أطراف المدينة، حيث الأراضى الزراعية أو الصحراوية فأقاموا تجمعات عشوائية بتكاليف أقل، ولكن دون أى خدمات، وذلك بعد أن عجزت مواردهم عن تدبير تكاليف السكن داخل الكتلة السكنية الرسمية للمدينة.

وتعتبر المشاكل العشوائية هى مشاكل اقتصادية وعمرانية، قد تؤدى إلى تدهور منطقة بأكملها، كما يُعتبر أيضا من أسباب ظهور العشوائيات هى زيادة الإنجاب، فذلك يؤدى إلى تزاحم المناطق وكثرة المبانى، لتعتبر كارثة العشوائيات الخطر الأكبر الذى يُهدد هذا المجتمع، سواءً على المستوى المجتمعى أو الأخلاقى أو الدينى. 

اكتسبت المناطق العشوائية شهرتها من الجريمة، فمنها تخرجت معظم  آفات المجتمع، وهذا ليس ذنبهم وحدهم، نحن جميعا شاركنا فى  تهميش هذه المجموعات وإقصائهم من المشهد تماما. 

كان إنجازا عظيما، هو قيام الإدارة المصرية بوضع خطة زمنية محددة للقضاء على الإسكان العشوائى بشكل  لم يحدث من قبل، ما أشعر هؤلاء بأن الدولة تهتم لأمرهم وتحاول مساعدتهم.  

رصدت الدولة، من خلال مبادرة الرئيس، 19 مليار جنيه لتنفيذ 215 ألف وحدة سكنية كاملة المرافق والتجهيزات لحياة سكنية كريمة لسكان العشوائيات، وتم تطوير نسبة كبيرة من العشوائيات الخطرة فى مختلف المحافظات، والتى كانت تفتقد أبسط أساسيات الحياة من مياه الشرب النظيفة والكهرباء والصرف الصحى، وانتقل أهلها لمجمعات سكنية آمنة مزودة بكل أساسيات الحياة، ووعد رئيس الوزراء دكتور مصطفى مدبولى، بأنه سيتم إعلان مصر خالية تماما من العشوائيات الخطرة نهاية العام الحالى.

وحتى نهاية 2018 تم تنفيذ 102 ألف وحدة لتسكين قاطنى الوحدات بالمناطق العشوائية ذات الخطورة المهددة للحياة بتكلفة 12 مليار جنيه، كما تم تطوير 52 منطقة غير مخططة، تضم 409 آلاف وحدة، بتكلفة 460 مليون جنيه.

هذا إنجاز جليل ننحنى له احتراما، ولكن كل ما نخشاه الآن أن  تتحول هذه الإنجازات إلى عشوائيات منمقة؛ لأننا قمنا بنقل نفس الأشخاص ونفس الثقافة والأخلاق، ولكن فى بيوت جديدة وحوائط لونها مبهج ، وأكثر ما أخشاه أن نستيقظ يوما لنجد العشوائيات مرة أخرى ولكن بشكل أكثر تطورا.

وتبقى الأسئلة الأكثر حيرة؛ هل هناك آثار ملموسة وواضحة لتحسين مستوى معيشة المواطنين فى هذه المناطق؟ هل ستستمر الدولة فى إنفاق المزيد من الأموال دون وجود عائد واضح أو استفادة ملموسة؟ إلى متى؟ هل يجب أن يقتصر تطوير العشوائيات على الدولة وتتحمل بمفردها عبء تنمية وتطوير هذه المناطق؟ وما هو دور الأطراف الاخرى المعنية بتطوير العشوائيات (القطاع الخاص، المجتمع المدنى، الأجهزة المعنية) هل سنترك العشوائيات المنمقة دون توعية وتنوير وترشيد وإرشاد؟

إن الرد على هذه التساؤلات يتطلب منا بعض المقترحات، والتى قد تساعد فى حل أو فى التخفيف من مشكلة العشوائيات، خاصة بعد أحداث الربيع العربى الذى دمر عقول شبابنا.

أعتقد أن إدخال مفهوم التنمية العمرانية المستدامة أصبح ضرورة،  فالهدف ليس إزالة المناطق العشوائية، ولكن لابد من الاهتمام بالبشر، وبحالة الحرمان البشرى الذى يعانون منه، فلابد من إدخال البُعد الاجتماعى عند تنمية هذه المناطق (إمداد السكان بالخدمات الاجتماعية)، وأيضا لابد من تنمية الريف وإيجاد فرص عمل وخدمات به حتى نوقف عملية الهجرة غير المنظمة.  

أعتقد أن دور الشباب والمجتمع المدنى والأحزاب والكوادر المثقفة والإعلام أن نكلل مجهود الدولة فى العشوائيات بثورة توعية، ومساعدة هؤلاء للمشاركة بشكل إيجابى فى المجتمع، فلا يُعقل أن تسكن العشوائية عمارات منمقة.

كاتب المقال

دينا المقدم

اليوم الجديد