أحببت قديسًا

9/13/2019 11:36:56 PM
372
قراء اليوم الجديد

ماري شاكر


 

     كُنت في يَوم مَع صَديقة لي نَتَحَدَّث عَن النَفس البَشَرِية وَميولها، ثُمَّ أَخَذَنا الحَديث للحُب وَالصِراع الذي يوَّلِده داخِل النَفس.

     وبَدَأَت تَحكِي لي عَن فيديو قَد شاهَدَته عَلَى ال Youtube  وَهُوعبارَة عَن مَشهَد مِن عَمَل مَسرَحي غِنائِي بِعنوَان (Belle Notre Dame de Paris) لِرائِعة الأَدَب العالمي وَباِلأَخَص الأَدَب الفرنسي للروائي " فيكتور هوغو " رواية (أحدَب نوتردام).

     وَشاهَدنا الفيديو سَوِياً وَقَد أبهَرَني آداء المُمَثلين وَغِناءهم الرائِع وَأصواتهم المُبهِرة.

     وَعِندَما عُدت إلَى المَنزِل وَشاهَدته مَرَّة أُخرى بمُفرَدي، لَم أستَطِع مَنع نَفسي مِن مُشاهَدته لعِدة مَرَّات..فكُلَّما انتَهى أُعيدَه مرَّة أُخرى.

     ثُمَّ قَرأت الرواية التي لطالَما عُرِضَت فيلماً على التليفزيون كُنت أخاف مِنهُ وَلَم أرِد مُشاهَدته إلا بَعض المَشاهِد القَليلة .. فقَد كُنت أخاف لَيسَ فَقَط شَكل الأحدَب وَلَكن أيضاً الظُلم الواقِع عَليه بسبَب شئ لا ذَنب لَهُ فيه وَهو شَكله وهَيأته التي بِسَبَبِها تَمَّ حَبسِه داخِل كاتدرائية نوتردام وَكان كُل عَمَله هُو دّق أجراس الكَنيسة..وَكان ذَلِك العَمَل هو كُل ما يَربُط الأحدَب (كوازيمودو) بالعالَم الخارِجي..

     لَكِن أكثَر من جَذّب انتِباهي وأسَر مَشاعِري ليس (كوازيمودو) الطَيِّب ذُو الصِفات الداخِلية الإنسانِية الرائِعة، وَلا الشاب الوَسيم الشُجاع (فيبس) قائِد الحَرَس، وَلَيست أيضاً الفتاة الرائِعة الجمال (ازميرالدا) الغَجَرِيَّة التي فَتَنَت كُل مَن رآها بشَعرها الاسود الطويل المُجَعَّد والعَينان السَوداوان الكَبيرَتان.

     وَلَكِنَّه (الدوق كلود فرولو)؛ الذي يُجَسِّد في الروايَة الخِصم وَلَكِنَّه ليس الشَخصِية الشِريرَة المِثالِيَة، وَلكِنَّه ضَحَّى في تَربِيَة أخِيه وأيضاً تَربِيَة (كوازيمودو) داخِل الكَنيسة.

     (فرولو) راهِب وَأرشِيديَاكون افتُتِن وَاحتَرَق قَلبه بحُب (ازميرالدا) فأحرَق بحُبه كاتِدرائِية نوتردام.

     أَحَب الثلاثة (ازميرالدا) وَكان لِكل مِنهم صِراع في حُبِهِ لَها.. (كوازيمودو) بِسَبَب هَيأَته، وَ(فيبس) بِسَبَب وَلائه لخَطيبَتِه. وَلَكني أرَى أن أكبر صِراع هُنا هو صِراع (فرولو)، وَقَد جَسَّده ذلك المُمَثِل الشاب في تِلكَ المَسرَحِية الغنائِية بقمَّة الإحسَاس وَرَوعة الصوت وَالآداء.

     صِراعه في حُبه لها وَكم جَعَلَ منه ذلِكَ الحُب مُجرِم وَخائِن في عهوده..فَصِراعه هُنا مع ذاته داخِله..هَل سَيَختار الله الذي كان قَد وَهَبهُ نَفسه وَقلبه وحَواسه وَكل كَيانه أم سَيَختار فَقَط نَظرة ل(ازميرالدا)، وَرَغبته في مُجَرَّد أن يَمد يَده ليَلمِس خُصلات شَعرِها..

     انه صراع مُرهِق كالحَرب يَستَنزِف مِن روحه، فَيَرى في عَيناها الخَطيئة الأولَى وَيَجِد فيها شَيطاناً يَجعَله يُحَوِّل عَيناه عن المَلَكوت، مُتَسائِلاً مَن زَرَعَ داخِله تِلكَ الرَغبة. وَبعَكس كُل تِلك الرَغَبات والصِراعات يَتَضَرَّع لسَيدة نوتردام أن تُعطيه الفُرصَة لدخول قَلب (ازميرالدا).

     ثُمَّ نَجِد في نهاية المَشهَد أنه ينضَم إلى (كوازيمودو) و(فيبس) في تَضَرُعهم ل(لوسيفر)؛ (لوسيفر) كما يُطلَق عَليه هُو الذي كان كَوكَب الصُبح المُنير، المَلاك الساقِط بالكبرياء . وَالذي جَسَّده الرَسَّام (اليكساندر كابانيل) في لوحة (المَلاك الساقِط) (Alexandre Cabanel's Fallen Angel،1868)  في أكثر صورة مُعَبِّرَة عَن لحظة طَرده وَسقوطه بنَظرة كُلها حَسرة وَتَوَعُد في ذات الوَقت بأنه لَن يَترُك بَنو آدَم دون حَرب أو إغوَاء.

     وَهُنا بالحَق لا أعلَم سَبَب مُناجاتهم لَه..هَل ليَرحَمهم مِن تِلك الحَرب التي قَد شَنَّها عَليهم بحُب ثلاثَتهم لتِلكَ الفاتِنة (ازميرالدا)..أم ليترُك بَنُو آدم وَيُهَدِّئ مِن مَعارِكه وَيَترُك الساحة إلى حِين..

     (فرولو) الذي يَراه الكَثيرين الخَصم وَالشِرير في تِلكَ الرواية، آراه أكثَرهم صِراعاً داخِلياً وَالمُرهَق نَفسِيَّاً لدَرَجة انَّهُ قَد تَهَشَّم وَلَم يَجِد مُنقِذ..أكثَرهم ضَعفاً..المُنهَك مِن الحَرب داخِل ذاته.

     (فرولو) الذي ضَحَّى بحَياته وَوَقته ليُرَبي أخاه الذي في الأخِير أضَاع كُل شئ بالمُقامَرة، أو (كوازيمودو) الذي رَعاه داخِل الكَنيسة وَعَلَمه قَرع أجراسِها..

     (فرولو) ذَلِكّ الراهِب الذي ثارَت مَشاعِره وَحَواسه، التي كان قَد دَفنها مَع نُطق عهوده ليُبقِي قَلبه وَعَواطِفه عَذراء، بمُجَرَّد أن رأى عَيناها..

     ذَلِكَ الذي ظَلَّ يَتَحَمَّل فَوق طاقَته صِراع أكثَر قُوَّة وَأعتى وَهُو صِراعه بَين حِفظه لقَلبَه لله أو حُبه ل(ازميرالدا) التي ظَلَّ يَراها تُشفِق على (كوازيمودو) وَتَميل عَواطِفها ل(فيبس)، وَلَم يَرى نَفسه ضِمن أولَوياتها.

     (فرولو) الذي عانَى الصِراع الأزَلي الأبَدي بَينَ الصَواب الذي يَعرِفه جيداً والخَطأ الذي لا يَستطيع إيقافه..الصِراع المُنهِك بَين العَقل وَالقَلب لدَرَجة أن بمَشاعِره أحرَق الكاتِدرائية..

     حَتَّى انه عِندَ حدوث حَرِيق كاتِدرائية نوتردام  بَعد الرواية بحَوَالي 300 عام في 15 ابريل 2019 شَعرت انها لَعنة (فرولو)..فَما كُنت أرَى أخشاب نوتردام هي التي تَحتَرِق بَل انَه قَلب (فرولو)، وَاللَهيب المُتَصاعِد هو مَشَاعِره التي اشتَعَلَت وَصَعد لَهِيبها لِيَلمِس السَماء مُعلِناً تَمَرُده.

     وَهُنا قَد كَتَبت رأي شَخصي بَحت لا أسعَى مِن خِلاله بإقناع القارِئ بشئ، فَهو مُجَرَد نَقد أَدَبي وَفَني للروايَة وَمَشهَد مِن عَمَل مَسرَحِي غِنائِى وَلا أَعلَم حَتَى الآن إذا سَيَتَوَقَف عِندَ هَذا الحَد أَم هو مُقَدِمَة لِمَقال آخَر حَول الصِراع الكامِن داخِل النَفس البَشَرِيَّة بَين التَفكير وَالمَشاعِر..العَقل والقَلب..

     فَهُنا ذَلِك الشرير الذي كَرهَهُ الجَميع آراه قد عَانى أكثَر مِن كُل أبطال الروايَة..آراه حاوَل إلى أن خارَت قوَاه فاستَسلَم.. حارَب إلى أن أُنهَك..آراه جاهَد إلى الحَد الذي أحرَق به ذاتَه..

آراه قديساً..

فَقَد أحبَبت (فرولو)..أحبَبت قديساً.

اليوم الجديد